نفس الإِنسان منه بدأَ وإِليه يعود وقد انبثق سَدُّ العلم اللدني, ورخص سعره, حتى ادعت كل طائفة أَن علمهم لدني, وصار من تكلم في حقائق الإِيمان والسلوك, وباب الأَسماء والصفات بما يسنح له, ويلقبه شيطانه في قلبه: يزعم أَن علمه لدني, فملاحدة الاتحادية, وزنادقة المنتسبين إِلى السلوك, يقولون: أَن علمهم لدني. وقد صنف في العلم اللدني: متهوكوا المتكلمين, وزنادقة المتصوفين, وجهلة المتفلسفين, وكل يزعم أَن علمه لدني, وصدقوا وكذبوا, فإِن (( اللدني ) )منسوب إِلى (( لدن ) )بمعنى (( عند ) )فكأَنهم قالوا (( العلم اللدني ) ), ولكن الشان فيمن هذا العلم عنده ومن لدنه, وقد ذم الله بأََبلغ الذم من ينسب إِليه ما ليس من عنده, كما قال تعالى: {وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} انتهى. وأَختم هذا (( التحذير ) )وما تلاه من (( تذييل ) )بما قاله ابن القيم - رحمه الله تعالى - في (( الصواعق المرسلة ) ): (1/ 262, 263) : (فما ذنب أَهل السنة والحديث, إِذا نطقوا بما نطقت به النصوص, وأَمسكوا عما أَمسكت عنه, ووصفوا الله بما وصف به نفسه, ووصفه رسوله, وردوا تاويل الجاهلين, وانتحال المبطلين, الذين عقدوا أَلوية الفتنة, وأَطلقوا أَعنة المحنة, وقالوا على الله, وفي الله بغير علم, فردوا باطلهم, وبينوا زيفهم, وكشفوا إِفكهم, ونافحوا عن الله ورسوله. فلم يقدروا على أَخذ الثار منهم إِلا بأَن سموهم: مشبهة, ممثلة, مجسمة, حشوية, ولو كان لهؤلاء عقول لعلموا أَن التلقيب بهذه الأَلقاب ليس لهم, وإِنما هو لمن جاء بهذه النصوص, وتكلم بها, ودعى الأُمة إِلى الإِيمان بها ومعرفتها, ونهاهم عن تحريفها وتبديلها. فَدَعُوا التشنيع بما تعملون أَنتم وكل عاقل منصف: أَنه كذب ظاهر, وإِفك مفترى. . .) انتهى.
وهذا الكلام من ابن القيم - رحمه الله تعالى: مُسْتَلٌّ من مشكاة النبوة, الرامية إِلى حراسة الشريعة بنصب عامل الاحتساب (( لضرب كل بنان ) )يريد أَن يخط في وحده صف الأُمة سطور الفرقة والاختلاف, ومزاحمة اعتقاد السلف والقضاء عليه. والذين يلوون أَلسنتهم باستنكار نقد الباطل وإِن كان في بعضهم صلاح وخير, لكنه الوهن, وضعف العزائم حينًا, وضعف إِدراك