قلت: يكفي في المناظرة تضعيف الطريق التي أبداها المناظر، وينقطع إذ الأصل عدم ما سواها حتى يثبت بطريق أخرى.
وأفاد العلامة أحمد شاكر -رحمه الله- في حاشيته على هذا الكلام من وجد حديثا بإسناد ضعيف، فالأحوط أن يقول: إنه حديث ضعيف بهذا الإسناد، ولا يحكم بضعف المتن مطلقا من غير تقييد بمجرد ضعف ذلك الإسناد، فقد يكون الحديث واردا بإسناد آخر صحيح، إلا أن يجد الحكم بضعف المتن منقولا عن إمام من الحفاظ المطلعين على الطرق.
وإن نشط الباحث للبحث عن طرق الحديث، وترجح عنده أن هذا المتن لم يرد من طريق أخرى صحيحة، وغلب على ظنه ذلك فإني لا أرى بأسا بأن يحكم بضعف الحديث مطلقا، وإنما ذهب ابن الصلاح إلى المنع تقليدا لهم في منع الاجتهاد. اهـ أي: في التصحيح، والتضعيف، في هذه الأعصار.
وقال في حاشيته (ص38) تحت باب: الزيادات على الصحيحين من المصدر المذكور.
ذهب ابن الصلاح إلى أنه قد تعذر في هذه الأعصار الاستقلال بإدراك الصحيح بمجرد اعتبار الأسانيد، ومنع بناء على هذا من الجزم بصحة حديث لم نجده في أحد الصحيحين ولا منصوصا على صحته في شيء من مصنفات أئمة الحديث المعتمدة المشهورة، وبنى على قوله هذا: أن ما صححه الحاكم من الأحاديث، ولم نجد فيه لغيره من المعتمدين تصحيحا ولا تضعيفا، حكمنا بأنه حسن، إلا أن يظهر فيه علة توجب ضعفه، وقد رد العراقي وغيره قول ابن الصلاح هذا، وأجاز لمن تمكن، وقويت معرفته، أن يحكم بالصحة أو بالضعف على الحديث بعد الفحص عن إسناده وعلله، وهو الصواب.
والذي أراه أن ابن الصلاح ذهب إلى ما ذهب إليه بناء على القول بمنع الاجتهاد بعد الأئمة، فكما حظروا الاجتهاد في الفقه، أراد ابن الصلاح أن يمنع الاجتهاد في الحديث وهيهات! فالقول بمنع الاجتهاد قول باطل لا برهان عليه من كتاب، ولا سنة، ولا تجد له شبه دليل. اهـ