فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 415

وهنا بحث وهو أن يقال: ما الحكمة في أن ذكرت هذه بالحرمة، ورمضان قد جُعِل له مزية عظمى ولم يذكر بهذا الاسم؟.

وبحث ثان: ما الحكمة في أن جعلت على هذا الوضع متفرقة تفريقًا مختلف الوضع، فجعلت في آخر السَّنة أكثر من أوَّل السَّنة؟ هل هذان البحثان تعبُّد لا يعقل لهما معنى أو لهما معنى معقول مِن جهة الحكمة؟

فإن قلنا: تعبُّد فلا بحث وما ندبنا إلا للبحث والاعتبار، وإن قلنا: لحكمة فما هي؟ فنقول والله أعلم في البحث الأوَّل وهو: كون رمضان لم يُسمَّ بهذه التسمية، وفيه مِن الخير العظيم ما هو فيه بحيث لا يخفى، وما جاء فيه مِن الأجر قد عرف ولو لم يكن فيه إلا قوله

عليه السلام: (( مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَمَا بَيْنَ رَمَضَانَ آخر ) )وكونُ أوَّل ليلة منه تفتح أبواب الجنان، وتغلق أبواب النيران، وتصفَّد الشياطين.

وذلك أنَّ الفرق بينهم أنَّ حُرْمة رمضان مِن أجل العمل الخاص به وهو الصوم، وحرمة هؤلاء مِنَّة مِنَ الله تعالى وتفضلٌ بغير شيء يوجب ذلك، والله عَزَّ وَجَلَّ يتفضَّل على مَن شاء مِن عباده حيوانًا كان أو جمادًا، بجعل سبب وبغير جعل سبب لحكمة لا يعلمها إلا هو عَزَّ وَجَلَّ، لكن إذا تتبعتها بمقتضى أدلَّة الشرع تجدها رحمة لنا وتفضُّلًا علينا، لأنَّك تجد كلَّ شيء مِن فضل المولى سبحانه مِن الزمان أو المكان أو القول أو الجماد أو أي شيء كان مِن جميع المخلوقات. تجد الفائدة في ذلك تعود علينا وهو الغني المستغني، ومما يؤكِّد هذا قوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الجاثية: 13] .

ومنها ما جاء بتضعيف الأجور بنصِّ الشَّارع صلى الله عليه وسلم في الأعمال التي في الأزمنة المعظمة والأمكنة المحترمة، والجمادات المباركة بالنصِّ في كل واحد منها مثل قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحجر الأسود: (( إِنَّه يمينُ اللهِ في الأرضِ يَشْهَدُ يومَ القيامَةِ لِمَنْ يَلْمِسهُ ) )ومثل صوم يوم عاشوراء يكفِّر السَّنة، إلى غير ذلك إذا تتبَّعْته تجد الخير كلَّه في ذلك بفضل الله علينا، جعلنا الله ممَّن سَعِدَ بذلك في الدارين بمنِّه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت