وهنا بحثٌ آخرُ وهو هل قولُه عليه السلامُ: (ذَكَرَ اللهَ) هل يكونُ الذِّكرُ المعنيُّ هنا باللسانِ والشفتينِ، أو بالقلبِ وإنْ لمْ يتحرَّك اللسانُ، أو بأيهما كانَ سُمِّيَ ذاكرًا؟.
فالجوابُ: أنَّه ينطلقُ على كلِّ واحدةٍ من هذهِ الوجوهِ أنْ يوصفَ صاحبُها بالذِّكْرِ، بدليلِ قولِ سيِّدِنا صلى الله عليه وسلم في الحديثِ الصحيحِ كنايَةً عن مولانا جلَّ جلالُه: (( مَن ذَكرَني في نَفْسِهِ ذَكرْتُهُ في نَفْسِي، ومَن ذَكَرَني في ملئٍ ذَكَرْتُهُ في ملئٍ خيرٍ منهُم ) ). فقد سماهما (ذاكِرَين) ، والطفيليُّ يتعلَّقُ بأقلَّ من هذا.
وأمَّا مذهبُ أهلِ الصوفَةِ فذِكْرُ القلبِ عندَهم أفضلُ، وأمَّا على ما قالَه عمرُ بن الخطابِ رضي الله عنه فذِكرُهُ عندَ الأمرِ والنهيِ خيرٌ لهُ من اللسانِ لأنَّه قالَ: ذِكرُ اللهِ عندَ أمرِهِ ونهيِهِ خيرٌ له مِن ذكرِه باللِّسانِ، فالجوابُ عن قولِ عمرَ رضي الله عنهُ: نعم، إن ذِكْرَ اللهِ عزَّ وجلَّ عندَ أمرِه ونهيِه خيرٌ من ذكرِه باللسانِ، لكنْ لا يتناوله هذا الحديثُ ويُرجَى أن يكونَ حالُه أرفعُ مِن هذا.
وأمَّا ما قالَه أهلُ الصوفَةِ فعلى لحظِ قولِ سيدِنا صلَّى الله عليه وسلم: (( بِضْعَةٌ في الجسدِ إذا صَلَحتْ صَلَحَ، وإذا فَسَدت فَسَد الجسد أَلَا وَهِوَ القلبُ ) ). فعلى هذا يرجُحُ قولُهم على قولِ غيرِهم، والشأنُ العملُ على الخروجِ منِ الخلافِ والأخذِ بالكمالِ في كلِّ الأحوالِ، جعلنا الله ممَّن منَّ عليهِ بذلكَ بمنِّه.