الثَّالث: طواف سليمان عليه السَّلام على مائة امرأة في ليلةٍ واحدةٍ، يحتمل معنيين: (أحدهما) : أن يكون الليل في ذلك الزَّمان طويلًا متناهيًا في الطُّول، حتَّى كان يتأتَّى له فيه مِن أجل طوله أن جامع مائة امرأة مع طهوره وتهجُّده ونومه، فإن حملناه على هذا الوجه، فيكون قول النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم: (( لَا تَقُومُ السَّاعَةَ حَتَّى يَتَقَارَبَ الزَّمَانُ ) )على ظاهر لفظه ينقص مِن طول الأيام والليالي، وليس الحمل على هذا الوجه بالقويِّ، لأنَّه إذا كان كذلك قلَّ أن يكون اليوم يبقى مِن طول الزَّمان شيءٌ.
وأمَّا المعنى الثَّاني وهو الأظهر: هو أن يكون الله عزَّ وجلَّ أظهر له في ذلك خرق العادة، فيجامع ويتطهَّر وينام ويقوم، والليل في الطُّول على ما هو اليوم، مثل ما أظهر عزَّ وجلَّ مِن خرق العادة لأبيه داود عليه السَّلام مِن قراءة الزَّبور، وكان يقرأه بقدر ما تُسْرَج له دابته.
وهذا قد يوجد اليوم كثيرًا في الأولياء والصَّالحين، يفعلون بالليل والنَّهار أفعالًا لو اجتمع عليها أضعافهم لَمَا قَدَروا عليها، يشهد لذلك ما حُكي عن بعض الفضلاء أنَّه كان يأتي أهله بليل، ثمَّ يتطهَّر، ثمَّ يقوم بربع القرآن، ثمَّ كذلك، ثم كذلك، إلى أن يختم القرآن قبل طلوع الفجر، فلو اجتمع في هذا الفعل اثنان يقتسمانه بينهم، واشتدَّوا إليه ليلهم، قلَّ أن يقدرا عليه، مع أنَّ هذا السَّيد الذي فعل هذا الفعل قد لا يخلو مِن النَّوم، إذ هو مِن ضرورة البشر.