الصفحة 49 من 87

ويسدونها إليهم تجد في قلوبهم ونفوسهم أعظم موقع، وما تنكر المجاهدون يومًا للعلم ولا العلماء، ولا استشعروا أدنى استشعار أن هاتين العبادتين متضادتان، مع التنبيه دائمًا أن هذا الواجب (سد الحاجة العلمية) ليس مقصورًا على من شمله اسم"الجماعات الجهادية"بحيث يؤاخذون هم بتقصيرهم -إن قصروا- ويرفع الإثم واللوم عن غيرهم من المسلمين، فهذا تقسيم للواجبات وتجزئة للمهمات بغير دليل، بل الكل في أصل شمول الخطاب لهم سواء، فما الجماعات الجهادية إلا مجموعة من أبناء الأمة يسر الله لهم إحياء فريضة الجهاد وتحريض الأمة عليها، وليس مقصودها إقصاء باقي الأمة عنها، أو احتكارها لأدائها، كيف .. وهي تحض المسلمين وتستنفرهم ليلًا ونهارًا لأن يكونوا مجاهدين لأعدائهم بأموالهم وأنفسهم وألسنتهم.

بل أقول مستيقنًا إنه لا يكاد توجد طائفة تسعى لإقامة الدين ونشره تدرك أهمية العلم وحقيقة الحاجة إليه ومحاولة سد ثغرته كما تدرك ذلك طوائف المجاهدين، ولهذا تجد قادتهم يحثون العلماء على النفير في كل حين، ليعيشوا واقع أمتهم عن قرب ومخالطة ومشاركة، لا عن بعدٍ وتصوّر حتى تكون فتاواهم مطابقة لما يحتاجه الجهاد والمجاهدون، فإن المرء مهما حاول أن يتصور المسائل بذهنه ويتأملها بفكره فسيعتريها بعض النقص الذي قد يؤثر في صواب الحكم الذي سيقرره، ولهذا جاء في الحديث: [ليس الخبر كالمعاينة، إن الله تعالى أخبر موسى بما صنع قومه في العجل فلم يلق الألواح فلما عاين ما صنعوا ألقى الألواح فانكسرت] رواه أحمد، والحاكم، وغيرهما عن ابن عباس.

وكما قال شيخ الإسلام -رحمه الله- عن علمٍ وتجربة وخبرة: [والواجب أن يعتبر في أمور الجهاد أهل الدين الصحيح الذين لهم خبرة بما عليه أهل الدنيا، دون أهل الدنيا الذين يغلب عليهم النظر في ظاهر الدين، فلا يؤخذ برأيهم، ولا برأي أهل الدين الذين لا خبرة لهم في الدنيا] (الفتاوى الكبرى: 4/ 609) .

وقد بين القرآن أن من أهم واجبات العلماء هو تسخير علمهم لتفقيه المجاهدين وتعليمهم، وأن أصل تفرغهم ينبغي أن يكون لذلك، ولكن لا يوقف الجهاد ولا يعطل العلم، بل يقوم هذا بواجبه من الدفاع عن الدين ونشره في ربوع الأرض وحماية بلدان المسلمين ويقوم هؤلاء بتفقيه المجاهدين وإمدادهم بما يحتاجونه من الفتاوى والفقه، فكل من يحاول أن يصادم العلم بالجهاد فيعطل أحدهما بسبب الآخر ففعله مناقض

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت