فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 83

(لأنه تعالى قد أخبر أنّ ذلك لو وقع كان بغير علم، منا لقوله تعالى(لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم) ولا مأثم عليه فيما لم يعلمه ولم يضع الله عليه دليلًا، قال الله تعالى (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم) فعلمنا أنه لم يرد المأثم ويحتمل أن يكون ذلك كان خاصًا في أهل مكة لحرمة الحرم، ألا ترى أنّ المستحق للقتل إذا لجأ إليها لم يقتل عندنا وكذلك الكافر الحربي إذا لجأ إلى الحرم لم يقتل وإنما يقتل من انتهك حرمة الحرم بالجناية فيه فمنع المسلمين من الإقدام عليهم خصوصية لحرمة الحرم، ويحتمل أن يريد (ولو لا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات) قد علم أنهم سيكونون من أولاد هؤلاء الكفار إذا لم يقتلوا فمنعنا قتلهم لما في معلومه من حدوث أولادهم مسلمين وإذا كان في علم الله أنه إذا أبقاهم كان لهم أولاد مسلمون أبقاهم ولم يأمر بقتلهم، وقوله (لو تزيلوا) على هذا التأويل لو كان هؤلاء المؤمنون الذين في أصلابهم قد ولدوهم وزايلوهم لقد كان أمر بقتلهم. وإذا ثبت ما ذكرنا من جواز الإقدام على الكفار مع العلم بكون المسلمين بين أظهرهم وجب جواز مثله إذا تترسوا بالمسلمين لأن القصد في الحالين رمي المشركين دونهم ومن أصيب منهم فلا دية فيه ولا كفارة كما أنّ من أصيب برمي حصون الكفار من المسلمين الذين في الحصن لم يكن فيه دية ولا كفارة ولا أنه قد أبيح لنا الرمي مع العلم بكون المسلمين في تلك الجهة فصاروا في الحكم بمنزلة من أبيح قتله فلا يجب شيء وليست المعرة المذكورة دية ولا كفارة إذ لا دلالة عليه من لفظه ولا من غيره والأظهر منه ما يصيبه من الغم والحرج باتفاق قتل المؤمن على يده على ما جرت به العادة ممن يتفق على يده ذلك، وقول من تأوله على العيب محتمل أيضًا لأن الإنسان قد يعاب في العادة باتفاق قتل الخطأ على يده وإن لم يكن ذلك على وجه العقوبة). (انظر: أحكام القرآن للجصاص، 5/ 275 - 276)

والحاصل أنّ الراجح في هذه المسألة أنه يجوز الإغارة على الكفار في دورهم وحصونهم وتبييتهم أو شنّ الغارة عليهم ولو كان فيهم مسلمون إذا لم يتمكن المسلمون إلى قتال الكفار إلاّ بذلك - كالحال مع أمريكا وغيرها - أو اضطر المسلمون إلى ذلك كخوف ضرر الكفار أو في حال خوف المسلمين إذا تركوا قتال الكافرين بسبب المسلمين المختلطين بهم أن يستبيحوا بيضة الإسلام لأن الحفاظ على بيضة الإسلام وعموم المسلمين أولى من الحفاظ على من بأيديهم من أسرى المسلمين أو من اختلطوا بهم، ولئلا يتعطل الجهاد إذا كففنا عن قتالهم بسبب اختلاط المسلمين بهم.

والظاهر أنّ جواز ذلك فيما إذا كان المسلمون المختلطون بالكفار قلة أو كان الأسرى من المسلمين الذين بأيدي الكفار قلة - أيضًا - لأنه قد يصيب المسلم في مثل هذه الحال وإن أصيب رزق الشهادة - بإذن الله تعالى - ويبعث يوم القيامة على نيته.

أما إذا كان المسلمون كثرةً، لم يجز رميهم خشية أن يصيب الرمي المسلمين وذلك لا يجوز من غير ضرورة والعلم عند الله تعالى.

أما الحكم الشرعي في المسلمين الذين قتلوا في برجي مركز التجارة العالمي - إن ثبت أنّ فيهم مسلمون - الدية والكفارة لقوله تعالى: (فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة) . [النساء: 92]

فالمؤمن إذا قتل في بلاد الكفار أو في حروبهم على أنه من الكفار أو لاضطرار المسلمين إلى ذلك بسبب اختلاط المسلمين بالكافرين أن تدفع عنه الدية والكفارة وهي تحرير رقبة مؤمنة. (فإن كان هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت