والله تعالى أعلم منعا له أن يتخولا فيصيرا رقيقين ومصيرهما رقيقين أنفع من قتلهما لأنه لا نكاية لهما فيقتلان للنكاية فإرقاقهما أمثل من قتلهما، والذي تأول الأوزاعي يحتمل ما تأوله عليه ويحتمل أن يكون كفه عنهم بما سبق في علمه من أنه أسلم منهم طائفة طائعين والذي قال الأوزاعي أحبّ إلينا إذا لم يكن بنا ضرورةً إلى قتال أهل الحصن وإذا كنا في سعة من ألاّ نقاتل أهل حصن غيره وإن لم يكن فيهم مسلمون كان تركهم إذا كان فيهم المسلمون أوسع وأقرب من السلامة من المأثم في إصابة المسلمين فيهم ولكن لو اضطررنا إلى أن نخافهم على أنفسنا إن كففنا عن حربهم قاتلناهم ولم نعمد قتل مسلم فإن أصبناه كفرنا وما لم تكن هذه الضرورة فترك قتالهم أقرب من السلامة وأحبّ إليّ). أهـ
قلت: كره الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - النصب على الكفار إن كان في دارهم أسارى مسلمون أو تجار مستأمنون بما يعم من التحريق والتغريق احتياطًا غير محرم له تحريمًا - بينًا -، لأنه يرى أنّ الدار إذا كانت مباحة فلا تحرم لوجود مسلم فيها يحرم دمه، وإنما كره ذلك احتياطًا لأن فيهم مسلمون خشيةً إصابة المسلمين لأنه مباح للمسلمين لو لم يكن في دار الكفر مسلمون أن يجاوزوها فلا يصيبوا فيها كافرًا، ويجوز لهم قتال من فيها من الكفار ولكن بغير ما يعم من التحريق والتغريق إلاّ إذا تكامن التحامهم كانوا مأجورين بذلك. وهذا الذي نصّ عليه الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - في الأمّ (8/ 395) فقال: (فإن كان في دارهم - أي الكفار - أسارى مسلمون أو مستأمنون كرهت النصب عليهم بما يعم من التحريق والتغريق احتياطًا غير محرم له تحريمًا بينًا وذلك أنّ الدار إذا كانت مباحة فلا يبين أن يحرم بأن يكون فيها مسلم يحرم دمه ولكن لو التحموا أن يفعلوا ذلك رأيت لهم أن يفعلوا وكانوا مأجورين لأمرين أحدهما الدفع عن أنفسهم والآخر نكاية عدوهم) أه. وانظر أيضًا الأمّ (4/ 414) في فصل: العدو يغلقون الحصون على النساء والأطفال والأسرى هل ترمى الحصون بالمنجنيق.
وأورد آخرون إشكالًا مفاده: كيف نجوّز مثل هذه العمليات إذا كان في برجي مركز التجارة العالمي مسلمون والله سبحانه وتعالى نهى المسلمين في يوم الحديبية عن قتال الكفار في مكة والعلة في ذلك أنه كان بمكة مؤمنون رجال ونساء خفي إيمانهم كسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة وأبي جندل بن سهيل وأشباههم فأنزل الله تعالى قوله: (ولو لا رجل مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابًا أليمًا) [الفتح: 25] .
فإذا كان الله سبحانه وتعالى صرف المسلمين عن القتال بسبب من كان في مكة من المستضعفين ممن كان يكتم إيمانه ويخفيه منهم خفيةً على أنفسهم من قومهم، فكيف جوّزنا قتل من كان مختلطًا بالكفار من المسلمين في تفجيرات نيويورك وواشنطن؟
قلت: الجواب أنّ من العلماء من استدل بهذه الآية على مراعاة الكافر في حرمة المؤمن وأنه لا يجوز التوصل إلى المباح بالمحظور كدم المسلم، إذا لم يمكن أذية الكافر إلاّ بأذية المؤمن.
وقد سبق أن بينا اختلاف أهل العلم في ذلك، فالشافعية يرون جواز ذلك عند عدم إمكان غيره وجوّز أبو حنيفة وأصحابه والثوري الرمي في حصون الكفار وإن كان فيهم أسارى مسلمون أو مستأمنون أو كان فيهم أطفالهم. وأما المالكية فلا يرون ذلك. (قال أبو زيد: قلت لابن القاسم:"أرأيت لو أنّ قومًا من المشركين في حصن من حصونهم، حصرهم أهل الإسلام وفيهم قوم من المسلمين أسارى في أيديهم أيحرق هذا الحصن أم لا؟"قال:"سمعت مالكًا وسئل عن قوم من المشركين في مراكبهم: أنرمي"