قرنًا ليسعده بهداية الله سبحانه، فهو يٌتلى في هذا القرن غضًّا طريًّا كما أنزل أول يوم ومهمّته في هذا الجيل لا تقلّ ولا تتقاصر عن مهمّته في الجيل الأول، ولكن الفارق الكبير بين الجيلين يتمثّل في الاستعداد للتلقّي والاستقبال، الذي كان على أتمّه وأرفعه في الجيل الأول، وليس منه إلا ذبالة ضعيفة في هذا الجيل، إلا من رحم ربّك، وقليل ما هم، وتلك حقيقة إيمانيّة بدهيّة لا ينبغي أن تغيب عن فكر المؤمن وقلبه، وهي جديرة بكل اهتمامه وعنايته، إن كان يريد أن يسعد نفسه، ويصنع منها إنسانًا له وزنه وتأثيره في هذه الحياة.
ولقد كان من هذه الحقيقة موعظة فاعلة مؤثّرة، صنعت عبقريّة المفكّر المسلم، والشاعر الملهم محمّد إقبال، فعندما سئل: ما أشدّ ما أثّر في حياتك.؟ فقال: أشدّ ما أثّر في حياتي كلمة سمعتها من أبي:"يابنيّ.! اقرأ القرآن، وكأنه عليك أنزل"، وإن كل من يتمثّل هذه النصيحة الأبويّة عندما يتلو القرآن أو يسمعه، يجد نفسه يسمع بغير سمعه، ويعي بغير وعيه، ويحيا مع القرآن أسعد لحظات عمره، ويشعر وكأن أسرار القرآن وأنواره تتفجّر في قلبه ووجهه، لتنقله إلى عالم آخر بعيد كلّ البعد عن هذا العالم واهتماماته الصغيرة المحدودة، ومشاعره القاصرة المسفّة.
لقد كان جيل الصحابة نفيس المعدن، نقيّ الجوهر، مثاليًّا في كلّ شيء رائدًا للخير في كلّ موقف، ومع ذلك فقد كان القرآن لا يكتفي من ذلك الجيل الربّانيّ في تربيته وتوجيهه أن يبقى على ما هو عليه، بل يزيده في كلّ يوم كمالًا إلى كماله، ورقيًّا إلى رقيّه، فيتعهّده بالرعاية المستمرّة في كلّ موقف، ولا يترك أيّ موقف، قد يحسبه أحدنا موقفًا عارضًا بسيطًا لا يؤبه