الصفحة 429 من 515

قال أبو صابر يا أخي نظرك قاصر وفكرك غير باصر لا تراقب ما بينيديك ولا تنظر ما أمامك ألك أم عليك فإذا أدهمك ما دهاك عجز عنه نهاك فلا تشعر إلا وقد وقعت وانخرق ما راقعت فلا يمكنك التدارك والتلاف إلا وأنت رهين التلاف وأما أنا فأراقب ما يصير من العواقب وأنظر أمامي الطريق على بعد فأميز المسلوك من قبل ومن بعد فلا أصل إلى صعب إلا وقد أذللته ولا إلى وعر إلا وقد سهلته ولا إلى وهدة إلا وقد عرفت طريقها ولا إلى عقبة إلا وقد كشفت واسعها ومضيقها فاستعد للأمر قبل نزوله وأتأهب للخطب قبل حلوله واحتال لقطعة وصوله وأحله قبل أن يعقد وأقيمه دون أن يقعد وهذه قاعدة للفقهاء وأصل كبير للحكماء من العلماء أنهم قالوا أن الدفع أهون من الرفع ومن كلام الألباء وأصول حذاق الأطباء قوله:

الطب حفظ صحة برء مرض ... من سبب في بدن إذا عرض

(وإنما أوردت) هذا المثل عن الحمار والجمل لتعلمي ياست الحجل أنه لا بد لنا من الأهبة قبل النكبه فما كل مره تسلم الجره وقد قرب وقت وضع البيض وبعده يدهمنا من سيل العسكر الفيض فلا بد من أعمال الفكر المصيب في وجه الخلاص من هذا الأمر العصيب كما قيل:

مهد لنفسك قبل النوم مضطجعًا

قالت غرغره الحكيمة المدبرة جميع هذه الأخبار لا تخلو عن دقيق الأنظار وتحقيق مصيب الأفكار وغامض معاني الأسرار وكل عاقل يقبله يديه ويقبل يديه ويمتثله ويقبل عليه وكل فكر مصيب يجثو للأقتباس بين يديه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت