والمسلمون يستحبون البكاء وخشوع القلب عند سماع القرآن، قال تعالى: {خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [1] .
وعقد البخاري في فضائل القرآن من صحيحه بابًا للبكاء عند قراءة القرآن [2] .
وقال العزالي: «يستحب البكاء مع القراءة وعندها، وطريق تحصيله أن يحضر قلبه الحزن والخوف يتأمل القارئ ما فيه من التهديد والوعيد والمواثيق والعهود، ثم يتأمل تقصيره في أوامره وزواجره، فيحزنه لا محالة، ويبكي» [3] .
وقال النووي: البكاء عند قراءة القرآن صفة العارفين وشعار الصالحين [4] .
وقال الحافظ ابن حجر ولا شك أن النفوس تميل إلى سماع القراءة بالترنم أكثر من ميلها لمن لا يترنم، لأن للتطريب تأثير في رقة القلب وإجراء الدمع [5] .
ومعلوم أنه لابد للنفس من طرب واشتياق إلى الغناء فعوضت عن طرب الغناء بطرب القرآن، كما عوضت عن كل محرم ومكروه بما هو خيرٌ لها منه، وكما عوضت عن الاستقسام بالأزلام بالاستخارة التي هي محض /91/ التوحيد والتوكل، وعن السفاح بالنكاح، وعن القمار بالمراهنة بالنضال وسباق الخيل، وعن السماع الشيطاني بالسماع الرحماني القرآني، ونظائره كثيرة جدًا.
وقد أحب الناس للمصحف المكتوب أن يكون جميل الخط، وبذل المسلمون في هذا جهودًا باهرة ضخمة، ولا شك أن الحاجة إلى تجميل القراءة وتحسين الصوت ليست أدنى من الحاجة إلى تجميل الكتابة، فكلها تؤدي إلى غاية واحدة.
وغني عن البيان أن نؤكد هنا -ونحن نتكلم على جواز تحسين الصوت والتطريب والتغني بالقراءة للقرآن الكريم- أن المقصود بها التطريب من القارئ نفسه، لا تلك الدعوة الآثمة
(1) سورة الإسراء، آية (108) .
(2) فتح الباري: (9/ 21) .
(3) إحياء علوم الدين: (1/ 219) .
(4) فتح الباري: (9/ 121) .
(5) فتح الباري: (9/ 88 - 89) .