3ـ المتدارك: وهي التي يفصل بين ساكنيها متحركان، كقوله [1] :
مَجَّدْتُ فِيكَ مَشَاعِرًَا وَمَوَاهِبَا ... وَقَضَيْتُ فَرْضًَا لِلنَّوَابِغِ وَاجِبَا
4ـ المتراكب: وهي التي يفصل بين ساكنيها ثلاثة متحركات، كقوله [2] :
أَرِحْ رِكَابَكَ مِنْ أَيْنٍ وَمِنْ عَثَرِ ... كَفَاكَ جِيلانِ مَحْمُولًا عَلى خَطَر
5ـ المتكاوس: وهي التي يفصل بين ساكنيها أربعة متحركات، وقد خلا شعر الجواهري من هذا النوع، مِمّا يدل على أن الشاعر يختار من القوافي ما كان له طلاوة ووقع نغمي مقبول؛ لأن وجود أربعة متحركات بين ساكنين يحدث شيئًا من الثقل على الأذن [3] .
أما بخصوص الأنواع الأربعة الأولى، فقد أثبت الإحصاء أن الجواهري قد استخدمها استخدامًا متفاوتًا، إذ كانت نسبة القوافي المترادفة عنده (1.18%) وهي نسبة منخفضة قياسًا إلى الأخريات؛ ولعل الفقر الإيقاعي الناشئ من تجاور الساكنين في هذا النوع من القافية كان سببًا لعدم استعمال الشاعر له إلا قليلًا. ثم يأتي بعد ذلك في كثرة الاستعمال المتراكب بنسبة (13.27%) ، فالمتدارك بنسبة (21.83%) ، في حين استأثر المتواتر بأكثر من نصف متنه الشعري وكانت نسبته (52.33%) ، وإذا علمنا أن معظم القوافي المتواترة إما أن تكون مردوفة بالياء كما في (عبيرا، مريبِ، نسيمُ) ، أو مردوفة بالواو كما في (فتورا، كُؤوسِ، يطوفُ) ، تبين لنا سرُّ ميل الشاعر إلى هذا النوع من القافية أكثر من الأنواع الأخرى؛ ذلك أن القوافي المردوفة المطلقة الروي تلتزم في بنائها صوتين لينين [4] ، وهي بالتزامها هذا تشتمل على قيمة إيقاعية أكبر من غيرها لأمرين: الأول هو أن المصوتات ـ ومنها حروف المد ـ أكبر الأصوات حظًا من الوضوح السمعي [5] ، والثاني أن أصوات المدّ تنتظم في هذا النوع من
القوافي اعتمادًا على التكرار أو التقابل [6] ، وكلاهما يُسهم في إثراء إيقاع القافية.
(1) م. ن: 3/ 395.
(2) م. ن: 5/ 311.
(3) البنية الإيقاعية في شعر حميد سعيد: 60.
(4) * حركة الإطلاق تتحول إلى حرف مَدٍّ من جنسها بعد إشباعها.
(5) قرر ذلك غير واحد من علماء الأصوات، ينظر: الأصوات اللغوية رؤية عضوية ونطقية وفيزيائية: 175 وما بعدها.
(6) يلاحظ شكري عياد تقاربًا شديدًا بين الذبذبة المميزة لكل من واو المد ويائه؛ لذلك فإن ورودهما معًا يشكل نوعًا من التكرار الهارموني، أما حرف الألف فذبذبته تعادل ضعف ذبذبة الواو أو الياء، وهذا يدل على أن الألف تحتل أقصى مكان في الطبقة إذا كانت الواو أو الياء تحتل أدنى مكان فيها وهذا ما يُدعى بالتقابل. (ينظر: موسيقى الشعر العربي ـ مشروع دراسة علمية: 127) ، وقد ردّد هذه الملاحظة مقتنعًا بها تامر سلوم مرتين في (الانزياح الصوتي الشعري: 49) و (أسرار الإيقاع في الشعر العربي: 244ـ245) .