الصفحة 77 من 213

قد نصَّ عليه في قوله:"أجازت العرب في الشعر ما لا يجوز في الكلام، اضطروا إلى ذلك أو لم يضطروا؛ لأنه موضعٌ أُلفتْ فيه الضرائر" [1] .

وثمة شاهد ثانٍ تعامل فيه الشاعر مع الكلمة ولم يوردها على أصلها من غير حاجة الوزن إلى ذلك وهو قوله [2] :

الآكِلِينَ بِلَحْمِي سُمَّ أَغْرِبَةٍ ... وَغُصَّةً فِي حَلاقِينِ الشَّوَاهِين

وموطن الشاهد هو قوله (حلاقين) حيث أبدل الميم نونًا من (حلاقيم) التي هي جمع (حلقوم) ، وواضح أنه لو جاء به على الأصل لم يتغير وزن البيت شيئًا، غير أنه عدل عن الأصل لمناسبة (حلاقين) لكل من (الآكلين) في بداية البيت، و (الشواهين) في خاتمته، ووجه المناسبة أنهما مختومتان بحرف النون؛ فكان من الملائم ـ إيقاعيًا ـ أن تأتي كلمة (حلاقيم) بإبدال الميم نونًا.

ويتصل بالضرورة، بوصفها خروجًا على القواعد والأصول، بعض الحالات التي خرج فيها الجواهري على قواعد العروض، من ذلك إشباع حركة هاء الضمير في قوله [3] :

هَذَا الضَّرِيحُ ضَرِيحُ أُمَّةِ يَعْرُبٍ ... فِيهِ خِيَارُ خِصَالِهَا مُتَجَمِّعُ

فالقاعدة العروضية تقضي بأن"ضمير الغائب المفرد المتصل إذا جاء بعد مقطع طويل كان هاءً مضمومة مثل (منه) أو مكسورة مثل (فيه) ، وإذا جاء بعد مقطع قصير كان هاءً يليها واو مثل (لَهُ) ، أو ياء مثل (بِهِ) " [4] ، وقد اجتمعت القاعدة مع الخروج عليها في قول الشاعر [5] :

وَلَعَلَّ أَحْسَنَ مَا بِهِ مِنْ صَالِحٍ ... عَنْ شَرِّ مَا فِيهِ يَكُونُ مُعَوِّضَا

فقد جاءت الهاء في الشطر الأول على وفق القاعدة، في حين أنها تجاوزت القاعدة في الشطر الثاني، إذْ كان حَقُّها أن تحرك بالكسرة فحسب، لا أن تشبع حتى تصير ياءً؛ لكونها مسبوقة بالمقطع الطويل (في) ،"وهذا دليلٌ على مهارة الشاعر في تطويع القاعدة أو خرقها من أجل تحقيق"

(1) ضرائر الشعر، نقلًا عن: موسيقى الشعر العربي بين الثبات والتطور: 179، وينظر: الضرورة الشعرية ـ دراسة لغوية نقدية: 231، وقد نقل كلامَ ابن عصفور السابق صاحبُ كتاب (المستوى الصوتي في الضرائر الشعرية: 7) بتغيير طفيف دون الإحالة على الأصل الذي استقاه منه، ويبدو أنه لم يُفِدْ من فِقْهِ هذا الكلام، وكان عمله ـ في الكتاب كُلِّه ـ منصبًا على تقطيع الشواهد الشعرية تقطيعًا عروضيًا؛ ليستبين موضع الاضطرار في الشاهد على وفق ما تمليه قواعد العروض، فكان الأحق بكتابه أن يسمّى (الجانب العروضي في الضرائر الشعرية) أو (أثر الوزن في الضرائر الشعرية) على سبيل المثال؛ ليكون العنوان دالاًّ على المحتوى.

(2) الديوان: 5/ 94.

(3) م. ن: 1/ 497، وينظر: 3/ 149.

(4) نظرة جديدة في موسيقى الشعر العربي: 194 الهامش.

(5) الديوان: 2/ 256، وينظر: 4/ 31.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت