والمقام الاجتماعي والخبرات اللغوية السابقة والتوقُّع، فيقوم بتصويب الخلل واستكمال النواقص، وتحوير الكم الفيزيقي ليتسق مع معطيات النظام" [1] ؛ لذلك فالذي يقرأ قول الجواهري [2] :"
نَصِيحُكَ إِمَّا خَائِفٌ أَوْ مُغَرَّرٌ ... كِلا الرَّجُلَيْنِ فِي المُلِمَّاتِ خَاذِلُ
يُعوِّضُ بحكم السياق الإيقاعي النقص الحاصل في تفعيلة (مفاعيلن) بزحاف القبض في المصراع الثاني، حيث أصبح وزن هذا المصراع: (فعولُ مفاعِلُن فعولن مفاعلن) بعد دخول الزحاف على تفعيلته الثانية السباعية، ويكون هذا التعويض إما بتطويل المقطع الذي قصّره الزحاف، أو بالوقفة الإيقاعية على نهاية كلمة (الرجلين) ، أو بكليهما معًا،"درءًا لعدم الاستحسان وتفاديًا لتوالي أوتاد في هذا الموطن ليست بالحسنة" [3] .
ولا بُدَّ من القول إن مسألة التعويض التي هي إمكانية إيقاعية يحققها الإنشاد ليست مُتاحة لقارئ الشعر أو مُنْشِده دونما قيد أو ضابط، فالتعويض الذي يكون بإطالة المقاطع أو الإشباع يخضع لمقتضيات السلامة في النطق للوحدات اللغوية، ومن ثم يكون الزحاف الواقع في بداية الكلمة أو وسطها عسير التعويض، وغير منقاد تمامًا لإرادة المنشد ورغبته في تفاديه، وإذا رام الدارس أن يجد مثالًا تطبيقيًا لذلك خرج بهذا الشاهد الوحيد من شعر الجواهري [4] :
عَالَمَ الغَدِ: يَا رَهِينَ ضَبَاب
مِنْ دُخَانٍ وَنَفْثَةٍ وَ تُرَاب
وتقطيع البيت الأول هو (فاعلاتُ مُتَفْعِلُنْ فَعِلاتن) أي إن التفعيلة الأولى مكفوفة والثانية والثالثة مخبونتان [5] ، وجليٌّ أن الكف قد وقع في وسط الكلمة (عَالَمَلْغَ) فإذا حاول المنشد إطالة المقطع القصير بإشباع فتحة حرف الغين، وقع في محذور آخر هو تشويه النطق السليم للكلمات، إذ إن
(1) في النقد اللساني: 107.
(2) الديوان: 2/ 234. وفي الديوان كله ثلاثة أبيات أخرى وقع فيها القبض في (مفاعيلن) من الطويل. ينظر: م. ن: 2/ 265 و308 و4/ 197.
(3) الزحاف والعلة ـ رؤية في التجريد والأصوات والإيقاع: 366.
(4) الديوان: 7/ 175.
(5) لم يُصَرِّح العروضيون بقبح زحاف الكف في الخفيف، وإن كان بعضهم قد ألمح إلى ذلك (ينظر: شرح شفاء العلل في نظم الزحافات والعلل: 114) . غير أن الذي حدا بهذا البحث إلى إيراد هذا الشاهد من شعر الجواهري ضمن ما هو غير سائغ في النظام العروضي، هو إخلاله بقاعدة المعاقبة في بحر الخفيف، التي تنص على أنه"إذا دخل الخبن جزءًا منه سلم الجزء الذي قبله من الكف وإذا دخله الكف سلم ما بعده من الخبن" (شرح تحفة الخليل في العروض والقافية: 56، وينظر: العقد الفريد: 6/ 76، والعمدة:1/ 149، والمدارس العروضية في الشعر العربي: 556) .