الصفحة 5 من 15

لعلنا نتفق جميعًا على أنه لا توجد معرفة بريئة، فالحياد النصي وهم إيديولوجي والبراءة الفكرية ضرب من المستحيل، ما دام كل خطاب معرفي يهدف ــ بالضرورة ــ إلى تمرير حمولة إيديولوجية. إن الإيديولوجيا ثاوية في الخطابات جميعها، وليس ثمة خطاب ــ من وجهة النظر هاته ـــ يمكن أن يعرى تمامًا من الإيديولوجيا. في ضوء هذا الفهم سنحاول في هذا البحث إجلاء العلاقة الملتبسة بين المعرفة البلاغية والمطالب الإيديولوجية.

في تلازم البلاغي والإيديولوجي:

إن المتتبع لنظرية الأدب وتاريخ الأفكار يستطيع أن يستخلص أن ارتباط البلاغة بالخطابات الإيديولوجية عامة، يمكن أن يرتد إلى السفسطائيين الذين اشتهر عنهم استخدام «العتاد البلاغي» من أجل استغواء المخاطبين واستقطابهم (1) . وهذا التلازم بين البلاغي والإيديولوجي ليس منفكًا عن الرغبة في السيطرة وبسط النفوذ، ذلك أن هاجس السلطة ـ أي سلطة ـ إنما يتمثل في تحصيل «الشرعية» ، التي تضمن لسلطانها الاستقرار والاستمرار، هو مطلب عزيز لا يسلم للسلطة إلا بكثير من القوة والعنف، ثم ما تلبث السلطة أن تدرك ــ بتوجيه من حدسها الطبيعي وتجربتها الواقعية ــ أنها لا تستطيع الاستمرار إذا اقتصرت على القوة والعنف لانتزاع الاعتراف بشرعيتها، فتتوجه ــ من ثم ــ إلى البحث عن أساس مكين يسند استقرارها ويضمن استمرارها. وليس من سبيل إلى ذلك إلا بتقبل الذوات السياسية تلقائيًا للسلطة ومصادقتهم عليها على سبيل الرضا والموافقة، وليس على سبيل القهر والإرغام. وهو ما تفطّن إليه جان جاك روسو ــ أبرز المنظّرين لـ «النظرية التعاقدية» بين الحاكمين والمحكومين، فقد قرر في كتابه «العقد الاجتماعي» أن «الأقوى لا يبقى أبدًا على جانب كافٍ من القوة ليكون دائمًا هو السيد إن لم يحول قوته إلى حق والطاعة إلى واجب» (2) .

وبما أن هذا الصنف العميق من الاعتقاد في شرعية السلطة القائمة لا يمكن تحصيله بالقهر والعنف الماديين، فإنه يصبح «من الضروري اللجوء إلى نوع آخر من العنف، نوع أكثر لطفًا وتهذيبًا وخفاء هو «العنف اللفظي» أو «العنف الرمزي» ، وقد ارتبط خطاب السلطة دومًا بسلطة الخطاب، وكلمات السلطة بسلطة الكلمات، وبهذا المعنى فالبلاغة ليست مجرد حلية ترفيه جمالية في الخطاب الإيديولوجي، بل هي براعات ذات وظيفة» (3) .

إن البلاغة واجدة في الإيديولوجيا حقلًا تطبيقيًا خصيبا للعديد من سماتها ووظائفها. ومن هنا وجدنا الصلة تنعقد وثيقة بين الإيديولوجيا والبلاغة، إذ الإيديولوجيا ــ في المطلق ــ ليست سوى مجلى من مجالي البلاغة. وليس من سبيل إلى تبين أوجه هذه العلاقة من غير تحديد سمات الممارسة الإيديولوجية. وهو ما نستعين فيه بدراسة لبول ريكور ترصد فيها أهم الخصائص الواسمة للإيديوجيا، وقد حصرها كما يلي (4) :

1 -الإيديولوجيا محرك اجتماعي تنشر الأفكار وتصنع القناعات عبر التحريض على الفعل وتبريره.

الإيديولوجيا منتسبة ــ في هذا المستوى ــ إلى ما يسميه ريكور «نظرية الحافز الاجتماعي» . إنها تتحرك لإظهار أن الجماعة التي تجاهر بها هي محقة في أن تكون ما هي عليه. لكن كيف تحافظ الإيديولوجيا على ديناميتها؟ الجواب كامن في سمتها الثالثة:

كل إيديولوجيا هي مبسطة وخطاطية، إنها شبكة لتحديد نظرة شاملة ليس فقط إلى الجماعة بل وللتاريخ، وفي الحد الأقصى للعالم، وهذا الطابع المسنن للإيديولوجيا ملتحم بوظيفتها التبريرية، لكن هذه القدرة على التغيير مشروطة بتحول الأفكار التي تنشرها إلى آراء ومعتقدات. وفي هذه الحال تفقد الأفكار صرامتها لتزيد من فعاليتها الاجتماعية. وعلى هذا النحو يتحول كل شيء إلى إيديولوجيا: الأخلاق، الدين، الفلسفة ...

وهذا التحول من نسق فكر إلى نسق اعتقاد هو جوهر الظاهرة الإيديولوجية.

يسمح هذا الملمح (الثالث) بملاحظة الطابع الاعتقادي للإيديولوجيا، حيث المستوى الإبستمولوجي للإيديولوجيا هو مستوى «الرأي» ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت