الصفحة 6 من 15

مستودع الاعتقاد عند الإغريق، لأجل ذلك فإن الإيديولوجيا تعبر عن نفسها طوعيًا من خلال الأمثال والشعارات والصيغ الموجزة، ومن ثم فلا شيء أقرب إلى البلاغة (فن الحكمة والإقناع) من الإيديولوجيا.

الإيديولوجيا تعبير عن مقاصد عملية أكثر منها تعبيرًا عن منازع نظرية، حيث القانون التأويلي للإيديولوجيا كامن في ما يتعوده الناس ويؤمنون به، أكثر من تصورات يتحركون نحوها.

الإيديولوجيا مطبوعة بالجمود، ترفض الجديد وتسعى إلى المحافظة على الأنموذج القائم من خلال صيغة «التمثيل» ، وهو ما يجعل الإيديولوجيا في نفس الآن تأويلًا للواقع وحشدًا للممكن، وبهذا المعنى يمكن الحديث عن «السياج الإيديولوجي» بل «العمى الإيديولوجي» .

إن الناظر في سمات الإيديولوجيا كما تحددت عند بول ريكور ليخلص فعلًا إلى تبين أوجه الصلة الجامعة بين البلاغة من جهة، والممارسات الإيديولوجية من جهة ثانية. فالبلاغة تتحدد أساسًا بوصفها فعالية خطابية واستدلالية يتوسلها المتكلم لعرض فكرة أو فرض نظرية، وفي الحالين تقوم البلاغة على سياسة في القول مخصوصة يتلطف منها المتكلم إلى تحصيل مطلوبه: حمل المخاطب على الإذعان والتسليم بما يلقى إليه من مضامين وإن لم يعتقد فيها حقيقة قائمة، لأن التعويل في مقامات التخاطب التي قصدها التأثير إنما يرتكز على سحر البيان وسلطة الكلام، وليس على صحة «المعلومة» أو صدق الخطاب. وفي هذا المستوى تظهر الصلة وثيقة بين العتاد البلاغي والممارسة الإيديولوجية، إذ الخطاب ــ في المطلق ــ واقعة تواصلية تلتبس فيها المقومات البلاغية بالمقاصد الإيديولوجية، فالخطاب (كل خطاب) متضمن بالضرورة لمقتضى حجاجي واستدلالي، بما هو «رسالة» صادرة من باث إلى متقبل قد يكون فردًا أو جماعة أو شعبًا أو الإنسانية جمعاء، الغرض من بثها وإلقائها إيقاع التصديق والحمل على الاقتناع. وهو مقصد تأثيري وإقناعي يستند ـ بالتأكيد ـ إلى تصورات المجتمع المرتهنة إلى الرأي الشائع والقناعات المشتركة، إذ لا يمكننا أن نتصور «متكلمًا» يعي ما يقول يمكن أن يتوجه إلى رفض ما أطبق الناس على الاعتقاد فيه، أو تبرير ما أجمعوا على رفضه وإنكاره. وعند هذه النقطة (الاقتناع استنادًا إلى الرأي الشائع والمشترك) ينفتح المجال سعيًا لتلبس البلاغي بالإيديولوجي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت