وكأن القرآن الكريم أريد في بدايته ترسيخ جل هذه الأمور ؛ حتى تستقر في القلوب من أول وهلة , فلا يفتح المسلم كتاب الله تعالى , ويستفتح بالفاتحة , ثم يردفها بالبقرة إلا ويجد هذا التفصيل للأمور التي تدور في خلده - من عقيدة , وشريعة , ومعاملات ؛ فجاء موقع السورة متناغمًا مع حال المؤمن الذي امتلأت السورة بالإشارة إليه والحديث معه .
فبعد انفتاح النفوس بالفاتحة , واستشرافها إلى الوحي السماوي , تأتي سورة البقرة لتكون الجرعة الأولى من الدواء الشافي لكل داء , تماما ً كما يعطى المريض أول جرعة , وغالبًا ما تكون هي أكبر الجرعات وأكثرها تركيزا , ثم تقل حتى تكون أصغر شيء ؛ وهذا ما حدث في القرآن الكريم
ثانيًا: المقاصد الكلية داخل سورة البقرة
يقول الشيخ دراز- رحمه الله - ما خلاصته: ( إن هذه السورة على طولها تتألف وحدتها من مقدمة , وأربعة مقاصد , وخاتمة:
المقدمة من الآية 1 _ 20 في التعريف بشأن هذا القرآن وبيان أن ما فيه من هداية قد بلغ من الوضوح مبلغا لا يتردد فيه ذو قلب سليم , وإنما يُعرض عنه مَن لا قلب له , أو من كان في قلبه مرض .
المقصد الأول: دعوة الناس كافة إلى اعتناق الإسلام من الآية ( 21 _ 40 ) .
المقصد الثاني: في دعوة أهل الكتاب دعوة خاصة إلى ترك باطلهم , والدخول في هذا الدين الحق من ( 40 _ 162 ) .
المقصد الثالث: في عرض شرائع الدين الإسلامي مفصلًا من ( 163 _ 283 ) .
المقصد الرابع: آية واحدة , وفيها الوازع الديني الباعث على ملازمة الشرائع , والعاصم من مخالفتها , وهى الآية رقم ( 284 ) .
ثم الخاتمة: في التعريف بالذين استجابوا , وما أعد لهم من ( 285 _ 286 ) . ( 5 )
ويقول أستاذي محمود توفيق سعد_ حفظه الله _ ( الذي أذهب إليه أن تقسيم العلاّمة دراز أفضل من تقسيمات أخرى إلا أنني أميل إلى أن السورة مكونة من مقدمة وقسمين كبيرين وخاتمة .