الصفحة 24 من 134

هذا نمط واحد يحمل التشريف والتكريم , كما يحمل التذكير بالغفلة , والحث على نقضها , وهكذا تفاعلَ في العنصر الواحد عاملان من عوامل الحض والتهيئة لاستقبال الأوامر والنواهي القادمة في: ( فاكتبوه _ وليكتب _ واستشهدوا ..إلخ )

ثم تعاود الآية ذكر ما يهيج النفوس وُيزجي أوارها , فيقال للكُتّاب: ( كما علمه الله ) , هذا عنصر من عناصر التثقيف المحرضة على قبول الأمر ...

ثم يؤتى بالتكليف فيقال: ( فليكتب وليملل الذي عليه الحق ) ثم يأتي تثقيف آخر , أو محرض آخر فيقال: ( وليتق الله ربه ) فيتبعه تكليف وهو ( ولا يبخس منه شيئا ) .... وهكذا تظل الآية تراوح وتمازج بين التكليف والتثقيف على نحو بارز ؛ لتُقبل النفوس على التكاليف إقبال رغبةٍ وشغف , وتلذذ , فترى فيما كلفت به من شرائع لذة ومتعة واسترواح ...

بل إن هذا المزج لا تحس معه أي نفس مرهفة بأي شيء من التباين والتفاضل , على الرغم مما قد يظن أن البيان التكليفي يقتضي غير ما يقتضيه البيان التثقيفي , ألفاظًا وتوقيعًا صوتيًا ...إلخ ( 16 )

وهذا المزج ( الذي لا يكاد يفصل بعضه عن بعض ) بين الخطاب التكليفي والخطاب التثقيفي يشير إلى حرص القرآن الكريم على إحاطة التكاليف بالبواعث التي تضعها موضع التنفيذ السريع , وذلك ضرب من ضروب علاقات المعاني , وهي لب البلاغة ومعدنها , والذهب الإبريز الذي يتطلب البحث عنه والتعب من أجله ؛ يقول الإمام عبد القاهر:( واعلم أن غرضي من هذا الكلام الذي

ابتدأته , والأساس الذي وضعته , أن أتوصل إلى بيان أمر المعاني , كيف تختلف وتتفق , ومن أين تجتمع وتفترق , وأفصل أجناسها وأنواعها , وأتتبع خاصها و مشاعها ...إلخ ) (17 )

أضف إلى ذلك أن قمة الجمال اللغوي أن يأتي الكلام موافقًا لطبيعة النفس البشرية , ومنسجمًا مع مداخلها , ومخارجها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت