الصفحة 18 من 134

وهذا يعني أن النفوس في تعاملاتها المادية تحتاج إلى توطئة طويلة من الأوامر الدينية , كما تحتاج إلى ضوابط صارمة من الأوامر والنواهي , في هذا المضمار ؛ ولذلك لا توجد آية قرآنية حوت من المحاذير ما حوته آية المداينة .

إن الحديث عن الاقتصاد الإسلامي من الأهمية بمكان ؛ لأنه ركيزة من ركائز ثبوت الدين , ودوامه , وانتشاره ؛ ولذلك وضع في أول سورة قرآنية بعد الفاتحة .

والبدايات دائمًا تكون كالأسس والدعائم لكل بنيان , فإذا نظرنا إلى الإسلام كبنيان نلحظ أنه يقوم على ركيزتين:

الأولى: عقيدة راسخة تثمر عبادة وأخلاقًا .

والأخرى: قوة ٌ تحمي هذه العقيدة وتلك العبادة , وتضمن بقاء الأخلاق وانتشارها , ومن أجل ذلك كان محور سورة البقرة يدور حول هذين الأمرين ؛ لأن الخلل فيهما هدمٌ لمعالم الأمة المسلمة وتفتيت لأركانها , ولا يقوى أحدهما إلا في قوة الآخر ؛ فالأمة التي تُعنى بالعقيدة ولا تعنى بالقوة التي تحمي هذه العقيدة لابد أن يأتيها عدو يزلزل هذه العقيدة .

ومن هنا تتبين علاقة هذه الآية بالسورة عامة , وبالمقصود الأعظم منها , وهذه العلاقة تتضح , وتنكشف في مواضع , وتخفى وتستكن في مواضع أخرى , لكن في النهاية تظل علاقة الآيات كعلاقة الأنساب في عالم الإنسان , وكأن السورة في الذكر الحكيم قبيلة في أمة يربطها أصل واحد , وإن اختلفت صور أفرادها وأشكالهم , وألوانهم , لكنهم جميعا إلى رجل واحد ( 10 )

سابعا: علاقة الآية بأول سورة البقرة وآخرها

لاشك أن آية المداينة خيط من خيوط السورة , وعنصر من عناصرها , وهذا العنصر يستقي ماءه من جذر السورة , أو المقصود الأعظم , ويرتبط بالباقي برباط يدق في موضع , ويعظم في آخر .

والذي لابد من الالتفات إليه هو النظر إلى الآية على أنها ختام آيات التشريع في سورة البقرة , والتشريع ما هو إلا رافد كبير من روافد النهر الذي أشارت إليه المقدمة .

كيف هذا ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت