الصفحة 17 من 134

ثم جاءت آية المداينة , لكنها فصلت عن الحديث عن الربا بآية تحذيرية , وهي آخر آية نزلت من القرآن الكريم , وهي قوله تعالى: ( وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (البقرة:281) .

ووضعها بين آيات الربا وآية الدين يفيد أنها تحذر من الربا وما يؤدي إليه .

أما الربا فقدّم عليها , وأما ما يؤدي إليه فتأخر عنها , فكأن الآية توسطت بين الربا وبين الديون , وهي الباب المؤدي إلى الربا غالبًا .

وهذا الترتيب _ أعني وضع آيات الربا , ثم التذكير بالرجوع إلى الله تعالى , ثم آية المداينة _ هذا الترتيب يعد من أبلغ ألوان التحذير ؛ لأن النفوس مازالت في خوف وترقب , واستشعار الغضب الإلهي بسبب الربا .

وحين تأتي آية المداينة في هذا الجو المفعم بالخشية , والرعب , والحذر , والترقب ؛ فإن النفوس تضفي على المداينة , وأنواعها ألوانًا من التحذيرات التي مازالت عالقة بها من الربا الذي هو حرب لله تعالى ورسوله , ومن مشاهد القيامة التي تجعل الولدان شيبا , ولا شك أن آية المداينة حين صاحبت آيات الربا قد أصابها من وعيدها , وتهديد أصحابها , والمبالغة في إنذارهم الكثير .

ولم لا والديون بوابة الربا , ومفتاح من مفاتيحه ؟ !

ولم لا وأكثر الخصام بين الناس يكون بسبب تلك المعاملات ؟!

ولم لا وآية المداينة قد امتلأت بالأشواك التي تحتاج إلى حذر شديد عند التعامل بها ؟ !

فإذا توجه البحث إلى النظر في وجود آية االمداينة في خواتيم سورة البقرة لتبين أنها جاءت بعد طريق طويل , سلكت فيه السورة كل سبيل لترسخ قواعد التوحيد , وتفصل شرائع الإسلام , وتربط كل ذلك بالبعث والنشور والرجوع إلى الله تعالى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت