النفس من اتباع الهوى، وتحليتها بفعل الخيرات والفضائل وجب بعد ذلك أن ينصبَّ الاهتمام على متابعة النفس في فعل الواجبات والمستحبات، وترك المحرمات والمكروهات، والنية في المباحات؛ فإن النفس من طبعها الكسل والتراخي والفتور) (1) .
ومن مساوئ عدم متابعة المربي نفسه وتفقُّدها ما يلي:
1 -الوقوف عن الأخذ والتلقي والاكتفاء بالرصيد الموجود عنده؛ ولو كان متابعًا لنفسه لعلم بأنه محتاج إلى رفع هذا الرصيد والاستزادة من الأخذ والتلقي؛ فهو بمتابعته لنفسه يكون قد تفقدها، وعلم أن رصيده الموجود لا يكفيه في مواصلة الطريق، فيحمله ذلك على الاستزادة والأخذ والتلقي من أجل زيادة الرصيد.
2 -فقدان هذا الرصيد في يوم من الأيام حتى يصبح المربي ليس عنده ما يعطى المتربي؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه، ومن ثم فقد المربي صفة هي من أهم صفاته وهي صفة العطاء؛ وذلك لأن الإيمان إما في زيادة، وإما في نقصان وكذلك العلم، وكذلك التربية؛ فإذا لم يتابع المربي نفسه ويسعى في زيادة رصيده فإنه سوف يفقد هذا الرصيد يومًا من الأيام؛ لأن هذا الرصيد لن يبقى مجمدًا كما هو؛ مصداقًا لقوله ـ تعالى ـ: {لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّر } [المدثر: 37] . يقول ابن القيم ـ رحمه الله ـ: «فإن لم يكن في تقدم فهو متأخر ولا بد؛ فالعبد سائر لا واقف: فإما إلى فوق وإما إلى أسفل، إما إلى الأمام وإما إلى وراء، وليس في الطبيعة ولا في الشريعة وقوف البتة، ما هو إلا مراحل تطوى أسرع طي إلى الجنة أو إلى النار، وإنما يتخالفون في جهة السير وفي السرعة والبطء كما قال ـ تعالى ـ: {إنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ * نَذِيرًا لِّلْبَشَرِ * لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ} [المدثر: 35 - 37] ولم يذكر واقفًا؛ إذ لا منزل بين الجنة والنار ولا طريق لسالك إلى غير الدارين البتة؛ فمن لم يتقدم إلى هذه الأعمال الصالحة فهو متأخر إلى تلك بالأعمال السيئة» (2) .
3 -تجعل المتربي في يوم من الأيام أعلى من المربي؛ وذلك لأن الذي يأخذ ويتلقى ويستزيد من رصيده ليس كالذي يقف عن الأخذ والتلقي والاستزاده؛ فالأول تجده في ترقّ وتطور حتى يصل إلى ذلك الذي توقف عن الأخذ والتلقي، بل يزيد عليه ويتفوق؛ لأنه في تلقٍّ واستزادة، والآخر قد توقف مكانه، بل سوف ينقص رصيده بهذا الوقوف؛ وهذا يؤدي إلى شعور في المتربي بأنه بحاجة إلى مربٍّ آخر يفوقه ويستطيع أن يأخذ منه.
وهنا تنبيه مهم وهو: أنه لا ضرر ولا عيب إذا تفوَّق المتربي على المربي، بل هذا هو ما يسعى إليه المربي الصادق كما قال ذلك الراهب للغلام: «أي بني! أنت اليوم أفضل مني» (3) . قال ـ تعالى ـ: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } [الجمعة: 4] . ولكن هناك فرق بين أن يتفوق المتربي على المربي مع حرص المربي على متابعة نفسه في الاستزادة من رصيده والترقي، وبين أن