وهذا هو رأيُ المحدثين أيضًا، إذ يرون أنّ الزيادة في المباني، لا بدّ من أن تؤدّيَ إلى زيادة في المعاني، وليست هذه قاعدة ثابتة فقد ينقص المبنى وتحصل زيادة في المعنى. غير أنّهم اختلفوا مع القدماء في أنّ الصوت المشدّد هو صوت طويل يشبه الحركة الطويلة الّتي تساوي في زمن نطقها ضعف الحركة القصيرة لتؤلف حرف مدّ [1] .وليس بصوتين متماثلين، كما يرى القدماء، أمثال الخليل بن أحمد الفراهيدي [2] ، وسيبويه [3] .
وقد التفت أبو السعود إلى ذلك عند تفسير لفظة (فزيّلنا) في قوله تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ.} (يونس: من الآية 28) مبيّنًا أنّ معنى (زيّلنا) هو"زلت الشيء عن مكانه أزيله، أي: أزلته."وأنّ"التضعيف للتكثير، لا للتعدية." [4]
ويستدلّ من كلامه أنّ لهذه اللفظة دلالتين، أحدهما: الإزالة عن المكان، إذا فرّقت هذا عن هذا وأبنت بينهما [5] .
والأخرى: الكثرة في الإزالة والتفريق بينهما، أي"كثرة الفعل." [6] ثمّ ذكر أبو السعود أنّ لفظة (فزيَّلنا) قرئت (فزايلنا) [7] مشيرًا إلى أنّ دلالتها بالتضعيف والمدّ واحدة، فقال:"وقرئ (فزايلنا) بمعناه، نحو: كلَّمته وكالمته." [8] وكان في ذلك متّفقًا مع نظرة المحدثين للصوت المشدّد.
ويتّضح من ذلك أنّ التشديد في (زيَّلنا) يعدُّ صوتًا مستقلا عند أبي السعود؛ لأنّه أتي بزيادة في المعنى، وهي كثرة التفريق بين المشركين وأقرانهم، فهو كصوت المدّ (
(1) المنهج الصوتي للبنية العربية 70، والمدخل إلى علم اللغة ومناهج البحث اللغويّ: 97،
واللغة 49.
(2) العين 1/ 50 (مادة الثنائي) .
(3) الكتاب 3/ 529.
(4) إرشاد العقل السليم 4/ 139.
(5) معاني القرآن (الفراء) 1/ 462، ومعاني القرآن وإعرابه 3/ 16.
(6) معاني القرآن (الفراء) 1/ 462.
(7) مختصر في شواذ القراءات 58.
(8) إرشاد العقل السليم 4/ 139.