ومثال ذلك تفسيره لفظة (الحمد) الواردة في قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
الْعَالَمِينَ. (الفاتحة:1) إذ قال أبو السعود: إنّ تعريف (الحمد) "للجنس ومعناه الإشارة إلى الحقيقة من حيث هي حاضرة في ذهن السامع، والمراد تخصيص حقيقة الحمد به تعالى المستدعي لتخصيص جميع أفرادها به سبحانه ..." [1] فأراد من قوله:"للجنس" [2] أنّها ـ أي (ال) اتعريف ـ (ال) العهديّة، وتبيّن ذلك من شرحه المعنى وهو قوله:"الإشارة إلى الحقيقة ..."والمعنى يكون: إنّ الحمد المعروف لديكم هو الله عزّ وجلّ.
ثمّ ذكر بصيغة التضعيف (قيل) أنّ (ال) في الحمد"للاستغراق الحاصل بالقصد إلى الحقيقة من حيث تحقّقها في ضمن جميع أفرادها." [3] أي أنّها (ال) الجنسيّة الّتي تفيد التعريف للجنس على سبيل الاستغراق والإحاطة والشمول لجميع أفراد الأحمدة، فيكون المعنى: كلّ فرد من أفراد الحمد هو الله سبحانه وتعالى.
وهذا ما قال به من قبل الزمخشريّ [4] ، وتابعه فيه طائفة من علماء التفسير منهم أبو حيّان الأندلسيّ [5] .
على حين أنّ من المفسّرين) [6] من حمل المعنى على الاستغراق والإحاطة والشمول من دون ترجيح المعنى الأوّل بدلالة قول الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) :"اللهمّ لك الحمد كلّه." [7] والحقّ أنّ التعبير يحتمل المعنيين كليهما، سواء
حملت (ال) التعريف على أنّها (ال) العهديّة أم الجنسيّة، فيكون المعنى"أنّ الحمد المعروف بينكم هو لله على سبيل الاستغراق والإحاطة، فلا يخرج عنه شيء من أفراد الحمد ولا أجناسه." [8]
(1) إرشاد العقل السليم 1/ 13.
(2) هذه اللفظة قالها الزمخشريّ قبله، وقد أراد (ال العهديّة) : ينظر: الكشّاف 1/ 53.
(3) إرشاد العقل السليم 1/ 13.
(4) الكشّاف 1/ 53.
(5) البحر المحيط 1/ 18.
(6) ينظر: تفسير القرآن العظيم: ابن كثير 1/ 23، وفتح القدير: الشوكانيّ 1/ 9.
(7) الحديث في صحيح مسلم 1/ 208 (باب الحمد) .
(8) لمسات بيانيّة في نصوص من التنزيل: د. فاضل السامرّائيّ 15.