وقد يفرّق أبو السعود بين دلالات هذه الحروف مبيّنًا القيمة الدلاليّة لكلٍّ منها، فمن ذلك تفريقه بين (على) و (اللام) ، إذ قال في تفسيره قوله تعالى: {إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ.} (المؤمنون: من الآية27) :"وإنّما جيء بـ (على) لكون السابق ضارًّا، كما جيء بـ (اللام) في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى.} [1] ؛ لكونه نافعًا." [2] وتابعه في ذلك الآلوسيّ [3] .
ج ـ (في) :
ويفيد الظرفيّة [4] ، ولم يصرّح أبو السعود بهذه الدلالة إلاّ أنّه ألمح إلى ذلك
عند تفسيره قوله تعالى: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ.} (طه: من الآية72) ،
إذ رأى أنّ (في) في هذه الآية بمعنى (على) ، وهو أحد وجهين أجازهما
الفرّاء [5] ، وأبو عبيدة [6] ، والأخفش الأوسط [7] ، وابن جنّيّ [8] ، وقد علّل أبو السعود إيثار الحرف (في) بقوله:"للدلالة على إبقائهم عليها زمانًا مديدًا تشبيهًا لاستمرارهم"
عليها باستقرار المظروف في الظرف المشتمل عليه." [9] ويعني ذلك أنّهم مستمرّون في حالهم هذه ومستقرّون فيها، وقد بيّن هذا المعنى ـ أيضًا ـ عند تعليله ورود"
الحرف (في) مكان الحرف (إلى) في قوله تعالى: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ
فِي الْخَيْرَاتِ. (الأنبياء: من الآية90) إذ قال: إنّ المعنى في الآية أي
(1) الأنبياء 101.
(2) إرشاد العقل السليم 6/ 132.
(3) روح المعاني 10/ 41.
(4) ينظر: الكشّاف 2/ 546، وشرح الرضي على الكافية 2/ 327، وارتشاف الضرب في لسان
العرب: أبو حيّان الأندلسيّ 2/ 446، وشرح اللمحة البدرية في علم اللغة العربية 2/ 40. .
(5) معاني القرآن 2/ 102.
(6) مجاز القرآن 2/ 23 ـ 24.
(7) معاني القرآن 148.
(8) الخصائص 2/ 309.
(9) إرشاد العقل السليم 6/ 29.