(د) موارد التفسير:
يعدّ تفسير أبي السعود من التفاسير الكبيرة والشاملة لشتّى العلوم العربيّة والإسلامية؛ لذا استدعت الطبيعة الشموليّة لهذا التفسير أن يستقي أبو السعود مادّة تفسيره من موارد متنوّعة وكثيرة، وقد اختلف في اعتماده المصادر، فقد جعل من بعضها أساسًا في مادّة تفسيره على حين استقى الشيء القليل من بعضها الآخر.
وقد صرّح في مقدّمة تفسيره باعتماده تفسيري (الكشّاف) للزمخشريّ (ت538 هـ) ، و (أنوار التنزيل وأسرار التأويل) للبيضاويّ (ت 791 هـ) أساسًا في دراسته، مع إشارته إلى أنّه زاد على ما فيهما من علم، وذلك ممّا قرأه أو وجده عند علماء آخرين، معللًا اختياره هذين التفسيرين من دونهما ـ أي ممّا تقدّم عليهما من تفاسير جليلة ـ بأنّ المتقدّمين"اقتصروا على تمهيد المعاني، وتشييد المباني، وتبيين المراد، وترتيب الأحكام، حسبما بلغهم من سيّد الأنام، عليه شرائف التحيّة والسلام. وأمّا المتأخّرون المدقّقون، فراموا مع ذلك إظهار مزاياه الرائقة، وإبداء خباياه الفائقة؛ ليعاين الناس دلائل إعجازه ... فدوّنوا أسفارًا بارعة جامعة لفنون المحاسن الرائعة، يتضمّن كلّ منها فوائد شريفة تقرّبها عيون الأعيان، وعوائد لطيفة يتشنّف بها آذان الأذهان، لاسيّما (الكشّاف) و (أنوار التنزيل) ، المتفرّدان بالشأن الجليل والنعت الجميل، فإنّ كلاّ منهما قد أحرز قصب السبق ..." [1] فكأنّه أراد أن أغلب تفاسير المتقدّمين اعتنت بالدرجة الأساس ببيان المعنى اللغويّ للألفاظ القرآنيّة، وصيغها الصرفيّة والأحكام الشرعيّة من دون الألتفات إلى الدلالات الخفيّة التي تكمن وراء المعنى الظاهر، والوقوف على الأسرار البلاغيّة من خلال نظم الألفاظ في السياق، وقد برزالزّمخشريّ في بيانه ذلك، وعنايته بما وراء النصّ من أسرار ودلالات.
وكان أبو السعود في أغلب الأحيان يصرّح بذكر أسماء الأعلام الّذين أخذ عنهم آراءهم، أو أسماء كتبهم في كثير من النصوص المنقولة عنهم. وفي أحيان أخر لايصرّح بأسمائهم أو كتبهم مكتفيًا بالقول: (إنّه روي) أو (قالوا) أو ما شابه ذلك. فهو في أكثر الأحيان ينسب الرأي إلى صاحبه، وقد أورد [2] أعلامًا كثيرة ابتداء من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين (رضوان الله تعالى عليهم) ، وغيرهم من علماء
(1) إرشاد العقل السليم 1/ 4.
(2) ينظر: إرشاد العقل السليم 2/ 191، و 1/ 107 و 2/ 93 و 5/ 255 وغير ذلك كثير.