على حين نلحظ أنّ السجستاني لم ير في (عسعس) تضادًّا، إذ يقول:"ولا أظنّ هاهنا معنى أكثر من الاسوداد، (عسعس) : أظلم واسودّ في جميع ما ذكر." [1] ويبدو أنّ في هذا الرأي نوعًا من الصواب؛ ذلك أنّ الأولى حمل اللفظة على أصل معناها في اللغة ما دام هذا المعنى لا يتعارض والسياق في الآية، فحملُ (عسعس) على أنّه أظلم واسودّ لا يخلّ بالمعنى المراد من الآية، بل قد يبرز منحى جماليًّا قائمًا على أساس من التقابل بين (الليل والصبح) ، و (عسعس و تنفّس) ، وهو سمة واضحة من سمات الأسلوب القرآني.
5 ـ وممّا يدخل في التضادّ لدى أبي السعود حمله تعبيرًا قرآنيًّا على
المعنى الضدّ له، ممّا يحتمله اللفظ القرآنيّ، وذلك عند تفسيره ما جاء في قوله
تعالى على لسان الكفّار لنبيّهم شعيب (عليه السلام) : إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ
الرَّشِيدُ. (هود: الآية87) إذ قال:"وصفوه (عليه السلام) بالوصفين على"
طريقة التهكّم، وإنّما أرادوا بذلك وصفه بضدّيهما كقول الخزنة: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ.} (الدخان الآية 49) .
فالمعنى في الآية محمول على التهكّم والسخريّة، وليس على وجه
الحقيقة والتهكّم"أن تورد صفات المدح والمقصود بها الذمّ؛ لأنّ المقصود"
هو الاستخفاف والإهانة؛ ولهذا ورد في حقّ من كان يدخل احتار، والغرض
منه الذليل المهان، ولكن أخرجه هذا المخرج للتهكم." [2] وهذا ما رآه"
البلاغيّون [3] المتأخّرون الّذين رأوا أنّ معنى (الحليم الرشيد) في الآية:
أي السفيه الغويّ الجاهل، وهم هنا حملوه على المعنى المضادّ له، والحال
نفسه في تفسيرهم قول الخزنة: (العزيز الكريم) ، أي: الذليل المهان [4] .
ثمّ جوّز أبو السعود حمل الآية على ظاهرها، شريطة أن يراد بـ (الصلاة)
في السياق المتقدّم المتمثّل في قوله تعالى: قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ
(1) ثلاثة كتب في الأضداد 97 ـ 99.
(2) الطراز: للعلوي 3/ 162.
(3) ينظر: الإيضاح في علوم البلاغة: القزويني 305، والطراز 3/ 162 ـ 164.
(4) الإيضاح في علوم البلاغة 305، والطراز 3/ 162 ـ 163.