ان الفك للشيء قد يخفي ما فيه من اسرار ، ويصرفك عن اكتشافها. وكثيرًا ما تتلو آيات القرآن مثلما تتصفح آلاف الوجوه في الطريق ، ملامح نراها ، قد تكون دميمة ، وقد تكون وسيمة ، تمر أشكالها بالعين ، فما تثبت على احدها الا قليلًا وفي ذهول ، لان المرء مشغول ـ بشأنه الخاص ـ عن دراسة القدرة العليا في نسجد هذه العيون ، وغرس هذه الرؤوس ، وصوغ تلك الشفاه ، واحكام ما تنفرج عنه من أسنان ، وما تؤدي اليه من اجهزة دوارة ، لا تقف لحظة ، اننا نقرأ القرآن فيحجبنا ـ ابتداء ـ عن رؤية اعجازه: انه كلام من جنس ما نعرف ، وحروف من جنس ما ننطق ، فنمضي في القراءة دون حس كامل بالحقيقة (75) .
فالشيخ / الغزالي قد جعل وجه الاعجاز النفسي (التأثيري عندنا) مقدما على وجوه الاعجاز جميعًا ، وعلى وجه الاعجاز البياني الذي كان يتصدر وجوه الاعجاز عند السابقين غالبًا، وقد عرضت من كلام الغزالي نفسه ما يربط بين الوجهين رابطًا وثيقًا ، بل ويجعل الاعجاز البياني ـ في رأيي ـ هو المقدمة للاعجاز التأثيري ، لكن اهتمام الغزالي بالاعجاز التأثيري جعله يضعه في هذه المكانة ، يقدمه بها على سواه .
وتبين لنا ايضًا انه تناول الإعجاز التأثيري من جوانب أربعة ، ولعل اهمها جميعا هو بيان ما في القرآن من وسائل تأثيرية ، والتي أورد فيها تفصيلًا وتعليلا لم نره عند كثير من السابقين.
واخيرًا ، فلم يكن الحديث عن الإعجاز التأثيري قاصرًا على هذين العالمين من علمائنا في العصر الحديث ، وانما تحدث عنه الكثير منهم ، ومن ابرز من تناولوه: الاستاذ / سيد قطب في كتابه (في ظلال القرآن ، والتصير الفني في القرآن) حتى انه روى قصة واقعية حدثت معه ، دلل بها على مدى تأثير القرآن على غير المؤمنين به ، وبين في مواضع كثيرة مدى أهمية هذا الوجه من وجوه الاعجاز (76) .
المبحث الثالث
الإعجاز التأثيري من خلال بعض الآيات القرآنية وبعض المواقف من السيرة النبوية: