(ان القرآن يملك على الإنسان نفسه بالوسيلة الوحيدة التي تقهر تفوقه في الجدل، أي بتقديم الدليل المفحم لكل شبهة ، وتسليط البرهان القاهر على كل حدة) فالنكوص عن الايمان بعد قراءة القرآن يكون كفرًا عن تجاهل لاعن جهل ، ومن تقصير لا من قصور .والجدل آفة نفسية وعقلية معا، والنشاط الذهني للمجادل يمده حراك نفسي خفي ، قلما يهدأ بسهولة . وجماهير البشر لديها من اسباب الجدل ما يفوق الحصر ، ذلك انهم يرتبطون بما الفوا انفسهم عليه من أديان وآراء ومذاهب ارتباطًا شديدًا ، ويصعب عليهم الاحساس بانهم وآباءهم كانوا في ضلال ـ مثلا ـ، فاذا جاءت رسالة عامة تمزق الغشاوات عن العيون وتكشف للناس ما لم يكونوا يعرفون . فلا تستغربن ما تلقى من الانكار والتوقف ، او التكذيب والمعارضة ، واسلوب القرآن في استلال الجفوة من النفس ، القاء الصواب في الفكر ، اوفى على الغاية في هذا المضمار ، ذلك انه لون حديثه للسامعين تلوينا يمزج بين ايقاظ العقل والضمير معا ، ثم تابع سوقه متابعة ان افلت المرء منها اولًا لم يفلت آخرًا ، وذلك هو تصريف الامثال للناس.
انه احاطه بسلسلة من المغريات المنوعة ، لا معدى له من الركون الى احداها ، او معالجة القلوب المغلقة بمفاتيح شتى ، لابد ان يستسلم القفل عند واحد منها ، وتراكيب القرآن ـ التي تنتهي حتما بهذه النتيجة ـ تستحق التأمل الطويل . ولسنا هنا بصدد الكلام عن بلاغتها ، بل بصدد البحث عن المعاني التي تألفت منها ، فكان من اتماعها هذا الاثر الساحر (71) .