الصفحة 17 من 74

( ان كلمات القرآن التي كانت على فم الناس ، كان لها رحلة الى الملأ الاعلى من الارض الى السماء من أفواه الناس الى عالم الروح ، والحق والنور ، وهناك في هذا العالم ـ عالم الروح والحق والنور ـ عاشت تلك الكلمات دهرًا طويلًا بين ملائكة ، وولدان ، وحور ، فنفضت عليها هذه الحياة الجديدة روحًا من روحها ، وجلالًا من جلالها ، ونورًا من نورها ، حتى اذا أذن لها الحكيم الخبير ان تعود أدراجها الى الارض وتلقى بأفواه الناس مرة أخرى ، وتطرق اسماعهم ، وتتصل بعقولهم وقلوبهم ، لم ينكروا شيئًا من وجودها ، وان سرى اليهم من هذا الوجود ما يخطف الابصار ويخلب الآلباب ، فالمؤمنون في شوق متجدد معه ، وفي خير متصل منه وفي عطاء موصول من ثمره ، كلما مدوا ايديهم اليه قطفوا من أدبه ادبًا عاليًا ، ومن علمه علمًا نافعًا ، ومن شريعته دينا قيما ، وغير المؤمنين في عجب من أمره ودهش . يتناولونه بألسنة حداد ، ويرمونه بسهام مسنونة ، وبكيد عظيم . فما يصل اليه من كيدهم شيء) (59) .

ان العبارة السابقة يحاول فيها الخطيب ان يضع ايدينا على هذا السر الذي جعل لكلمات القرآن على من يسمعه من الاثر الواضح ما لا نجده مما نسمعه من كلام آخر ، فكلمات القرآن قد رحلت الى الملأ الاعلى حينا من الزمن ، اعطاها هذا الرحيل سراٍ يخطف الابصار ، يوخلب الالباب ، ويجعل المؤمنين به في شوق دائم لسماعه ، وغير المؤمنين في عجب ودهش من أمره .

ويقول الدكتور الخطيب ـ معلقًا على كلام الامام الخطابي عن الاعجاز التأثيري للقرآن ، والذي سبق لنا ذكره ، والذي أثبتنا انه وجه اعجاز القرآن عنده ـ: (وهذا الوجه من وجوه الاعجاز هو ـ فيما ترى ـ المعجزة القائمة في القرآن ابدا ، الحاضرة في كل حين ، وهي التي تسع الناس جميعًا ، عالمهم وجاهلهم ، عربيهم وأعجميهم ، انسهم وجنهم {قل أوحى الى انه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرءانًا عجبًا} (60) (61) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت