الصفحة 15 من 74

ثم يقول: (فان قيل: اذا كان التأثير انما يتم بمجموع هذه الاشياء ، فما وجه دخول أداة(أو) في قوله تعالى: {أو القى السمع} ، والموضع موضع واو الجمع ، لا موضع (أو) التي هي لأحد الشيئين؟ قيل: هذا سؤال جيد . والجواب عنه أن يقال: خرج الكلام (بأو) باعتبار حال المخاطب المدعو ، فان من الناس من يكون حي القلب واعيه ، تام الفطرة ، فاذا فكر بقلبه وجال بفكره دله قلبه وعقله على صحة القرآن ، وانه من الحق ، وشهد قلبه بما أخبر القرآن ، فكان ورود القرآن على قلبه نورًا على نور الفطرة ، وهذا وصف الذين قال فيهم القرآن {ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل اليك من ربك هو الحق} (56) .

وقال في حقهم: {الله نور السموت والارض مثل نوره كمشكوة فيها مصباح المصباح في زجاجةٍ الزجاجةُ كأنها كوكب دري يوقد من شجرةٍ مبركة زيتونةٍ لا شرقيةٍ ولا غربية يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء} (57) . فهذا نور الفطرة على نور الوحي ، وهذا حال صاحب القلب الحي الواعي . ويقول ابن القيم: (ومن الناس من لا يكون تام الاستعداد ، واعي القلب ، كامل الحياة ، فيحتاج الى شاهد يميز له بين الحق والباطل ، ولم تبلغ حياة قلبه ونوره وزكاء فطرته مبلغ صاحب القلب الحي الواعي ، فطريق حصول هدايته ان يفرغ سمعه للكلام ، وقلبه لتأمله والتفكر فيه ، وتعقل معانيه ، فيعلم حينئذ انه الحق) (58) .

وبعد ، فقد آثرت ان انقل كلام ابن القيم بتمامه ، حتى نتبين من خلاله رؤيته في مسألة التأثير ، وكيفية حدوثها ، وبيان أركانها وجوانبها ، فانه يرى انها تقوم على أركان عدة:

أ ـ المؤثر القوي ، (والمقصود به هنا: القرآن الكريم ) .

ب ـ أداتا التلقي ، وهما: (القلب والسمع) .

ج ـ رغبة السامع في تفهم ما يسمع وتعقله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت