في كتابه (الفوائد) (50) شرح ابن القيم مسألة تأثير القرآن على سامعه وقرائه فقال: (اذا أردت الانتفاع بالقران فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه ، وألق سمعك ، واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه اليه(51) ، فانه خطاب منه لك على لسان رسوله ، قال تعالى: {ان في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو القى السمع وهو شهيد} (52) ، وذلك ان تمام التأثير لما كان موقوفا على مؤثر مقتض ومحل قابل وشرط لحصول الاثر وانتفاء المانع الذي يمنع منه ، تضمنت الآية بيان ذلك كله بأوجز لفظ وأبينه ، وأدله على المراد . فقوله (ان في ذلك لذكرى) اشارة الى ما تقدم من اول السورة الى ها هنا، وهذا هو المؤثر ، وقوله: (من كان له قلب) فهذا هو المحل القابل ، والمراد به القلب الحي الذي يعقل عن الله ، كما قال تعالى: ران هو الا ذكر وقرءان مبين لينذر من كان حيا (53) . أي حي القلب .وقوله تعالى: {او القى السمع وهو شهيد} (54) أي وجه سمعه وأصغى حاسة سمعه ، الى ما يقال له ، وهذا شرط التأثير بالكلام .وقوله: {وهو شهيد} أي شاهد القلب ، حاضرًا غير غائب . قال ابن قتيبة (55) : استمع كتاب الله وهو شاهد القلب والفهم ، ليس بغافل ولا ساه ، وهو اشارة الى المانع من حصول التأثير ، وهو سهو القلب وغيبته عن تعقل ما يقال له ، والنظر فيه وتأمله .
فاذا حصل المؤثر ، وهو القرآن ، والمحل القابل وهو القلب الحي ، ووجد الشرط وهو الاصغاء ، وانتفى المانع وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب وانصرافه عنه الى شيء آخر ، حصل الاثر ، وهو الانتفاع بالذكر .