وبعث الملأ من قريش عتبة بن ربيعة الى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ليوقفوه على امور ارسوله بها ، فقرأ عليه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ آيات من (حم السجدة) فلما أقبل عتبة وأبصره الملأ من قريش قالوا: أقبل أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به . ولما قرأ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ القرآن في الموسم على النفر الذين حضروه من الانصار آمنوا ، وعادوا الى المدينة فأظهروا الدين بها ، فلم يبق بيت من بيوت الانصار الا وفيه قرآن . وقد روي عن بعضهم أنه قال: فتحت الامصار بالسيوف ، وفتحت المدينة بالقرآن.
ولما سمعته الجن لم تتمالك أن قالت: {انا سمعنا قرءانًا عجبًا يهدي * يهدى الى الرشد فامنا به} (34) ، ومصداق ما وصفناه في أمر القرآن في قوله تعالى: {لو أنزلنا هذا القرءان على جبل لرأيته خشعًا متصدعًا من خشية الله} (35) ، وقوله تعالى: {الله نزل أحسن الحديث كتبًا متشبهًا مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم الى ذكر الله} (36) ، وغير ذلك في آي ذوات عدد منه ، وذلك لمن ألقى السمع وهو شهيد ، وهو من عظيم آياته ، ودلالئل معجزاته (37) .
وبعد هذا العرض لرأي الخطابي في الاعجاز التأثيري فاننا نستنج منه ما يلي:
1-ان الخطابي يعترف في أول رسالته بتعذر تحديد وجه الاعجاز ، على الرغم من اقرار جميع علماء البلاغة بوجوده.
2-مناقشته لبعض وجوه الاعجاز ، ونقدها وعدم قبوله اياها كوجه من وجوه الاعجاز.
3-انتهى الخطابي ببيان مجمل لرأيه في إعجاز القرآن الذي سبق ان فصله بانه (صنيعه بالقلوب ، وتأثيره في النفوس ، وهو ما أسميته بـ"الاعجاز التأثيري للقرآن"أخذا عن تعريف الخطاب لهذا الوجه من وجوه الاعجاز) .
4-وكل ما ذكرته آنفا يعتبر دليلًا على اختيار الخطابي لهذا الوجه من وجوه الاعجاز كأساس لاعجاز القرآن ، وقد اكد هذا بكل ما ذكره من نماذج تطبيقة من القرآن أو السيرة .