وقال في المسألة الرابعة من النوع الثاني:"ينقل ابن عاشور قول الشاطبي الذي اقتبسناه آنفًا وتعقبه بقوله":"وهذا مبني على ما أسسه ، من كون القرآن ، لما كان خطابًا للأميين ،وهم العرب ، فإنما يعتمد في مسلك فهمه ، وإفهامه ، على مقدرتهم وطاقتهم وأن الشريعة أمية. وهو أساس واهٍ لوجوه ستة.الأول: أن ما بناه عليه: يقتضي أن القرآن لم يقصد منه انتقال العرب من حال إلى حال ، وهذا باطل لما قدمناه ، قال تعالى { تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا } (هود:49) .وهذا صريح في أن القرآن يحتوي على كثير من الحقائق التي يجهلها قومه ، والتي هي من قبيل أنباء الغيب والمعجزات ."
الثاني: أن مقاصد القرآن ، راجعة إلى عموم الدعوة ، وهو معجزة باقية ، فلا بد أن يكون فيه ، ما يصلح لأن تتناوله أفهام من يأتي من الناس في عصور انتشار العلوم في الأمة."وقال ابن عاشور في موضع آخر من تفسيره (1/104) :"إن وجوه الإعجاز ترجع إلى ثلاث جهات"..."الجهة الثالثة: ما أودع فيه من المعاني الحكمية والاشارات إلى الحقائق العقلية والعلمية ، مما لم تبلغ إليه عقول البشر في عصر نزول القرآن ، وفي عصور بعده متفاوتة ، وهذه الجهة أغفلها المتكلمون في إعجاز القرآن ، من علمائنا ، مثل أبي بكر الباقلاني ، والقاضي عياض ،"..."والقرآن معجز من الجهة الثالثة للبشر قاطبة ، إعجازًا مستمرًا على ممر العصور ، وهذا من جملة ما شمله قول أئمة الدين: إن القرآن هو المعجزة المستمرة ، على تعاقب السنين ، لأنه قدر يدرك إعجازه العقلاء من غير الأمة العربية ، بواسطة ترجمة معانيه التشريعية ، والحكمية، والعلمية ، والأخلاقية وهو دليل تفصيلي لأهل تلك المعاني ، وإجمالي لمن تبلغه شهادتهم بذلك."انظر أيضًا تفسيره 1/127-128".