سخط الناس، وإذا تبين له الحق في أمرٍ آخر انتقل إليه، وقد قال عمر لأبي موسى رضي الله عنه لما ولاه قضاء اليمن: وَلاَ يَمْنَعْكَ مِنْ قَضَاءٍ قَضَيْتَهُ الْيَوْمَ فَرَاجَعْتَ فِيهِ لِرَايِكَ وَهُدِيتَ فِيهِ لِرَشَدِكَ أَنْ تُرَاجِعَ الْحَقَّ؛ لأَنَّ الْحَقَّ قَدِيمٌ لاَ يُبْطِلُ الْحَقَّ شَيءٌ، وَمُرَاجَعَةُ الْحَقِّ خَيْرٌ مِنَ التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ. سنن البيهقي (2/ 180) .
فهذا هو التغيير المحمود إذا تبين الحق أن يرجع إليه الإنسان، ومن أسباب العودة إليه تبين دليل لم يكن يعلمه الإنسان من قبل، واطلاع الإمام على حديثٍ من أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكن وقف عليه من قبل، أو تأكده من صحة حديثٍ لم يكن صح عنده من قبل، ونحو ذلك من الأسباب، وهذا كان من أسباب رجوع الأئمة عن بعض أقوالهم فيما مضى، فإذا جئنا إلى زماننا، وقد مضت ثلة من علمائنا، رأينا الفوضى ضاربة أطنابها في التغييرات، والرجوع والتبديلات، متقلبين متذبذبين، فإذا تبصرنا في أسباب ذلك رأينا الأهواء من كل جانب، فهذا يغير قوله خوفًا وطمعا، رغبًا ورهبا، وقد قال الله -سبحانه وتعالى- عن أقوامٍ: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} (النحل:107) .
{أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} (النحل:108) .
{لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ} (هود:22) .
أخبرنا النبي -صلى الله عليه وسلم- عن قومٍ يغيرون ويبدلون، ولأجل المال ينتقلون، فقال -عليه الصلاة والسلام-: (( بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا أَوْ: يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا ) ). مسلم (164) .
هكذا كانت التنقلات إذًا، والتبديلات لأجل الأموال، تراجعات طمعًا في الدنيا، وكان الأعشى شيخًا كبيرًا شاعرًا .. خرج من اليمامة .. من نجد .. يريد الإسلام ومبايعة النبي -صلى الله عليه وسلم-، يقطع الفيافي والقفار .. فلما كان قريبًا من المدينة .. اعترضه بعض المشركين فأخبرهم أنه يريد لقاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليسلم .. فخافوا أن يسلم هذا الشاعر .. أن يقوى جنب النبي -صلى الله عليه وسلم- .. فقالوا له: يا أعشى دينك ودين آبائك خير لك ..