حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 96
الدار. إذا خلت من ساكنيها.
فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74) فأحدث التسبيح بذكر اسمه أو بذكره فإن إطلاق اسم الشيء ذكره والعظيم صفة للاسم أو الرب، وتعقيب الأمر بالتسبيح لما عود من بدائع صنعه وإنعامه إما لتنزيهه تعالى عما يقول الجاحدون لوحدانيته الكافرون لنعمته أو للتعجيب من أمرهم في غمط نعمه، أو للشكر على ما عدها من النعم
فَلا أُقْسِمُ إذ الأمر أوضح من أن يحتاج إلى قسم، أو فأقسم و «لا» مزيدة للتأكيد كما في قوله: لِئَلَّا يَعْلَمَ [الحديد: 29] أو فلأنا أقسم فحذف المبتدأ وأشبع فتحة لام
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قدم كونها تذكرة على كونها متاعا لأنها أمر ديني قد غفل الناس عنها فكانت أهم وأولى بالتقديم. قوله: (فأحدث التسبيح بذكر اسمه أو بذكره) كأن قائلا قال: الظاهر أن يقال: فسبح ربك العظيم أي فنزهه عما لا يليق بشأنه الأعلى من النقائص، فإنه تعالى لما رد على من أنكر البعث بأن قالوا: أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ* بأن ذكر ما يدل على صحة البعث وقدرته عليه وبدأ بذكر خلق الإنسان لكونه أصل النعم كلها، ثم ذكر تفرده بخلق ما به بقاء الإنسان فبدأ بذكر ما هو أصل المطعوم وهو الحب، ثم ذكر ما هو أصل المشروب وهو الماء الذي يعجن به الخمير ويشرب، ثم ذكر النار التي يطبخ بها معظم المطعومات وبيّن بهذا كله أن من أنعم بهذه النعم عليكم وتفرد بخلقها ابتداء يقدر على أن يعيدكم للحساب والجزاء، فرّع عليه الأمر بتسبيحه وتنزيهه عما زعم منكرو البعث في حقه تعالى فإنهم منكرون لقدرته الكاملة وعلمه الشامل لتفاصيل أجزاء الموتى. فثبت بهذا أن الظاهر أن يقال: فسبح ربك العظيم عما يقول الجاهلون فلم قال: فسبح اسم ربك العظيم؟ وتقرير الجواب أن كون الأمر بالتسبيح متفرعا على ذكر دلائل صحة البعث لا يستدعي أن يكون تعلق التسبيح بمفعوله مرادا لأن المقصود حاصل بتنزيله منزلة اللازم وجعل الباء في قوله: بِاسْمِ رَبِّكَ للآلة إما بتقدير الذكر المضاف إلى الاسم وجعل الاسم بمعنى الذكر مجازا فيكون المعنى فأحدث التسبيح بواسطة ذكر اسمه تعالى، أو بواسطة ذكره تعالى.
وجاز كون الاسم مجازا عن الذكر لما أشار إليه المصنف بقوله: فإن إطلاق اسم الشيء ذكره فإنه أراد به بيان العلاقة بين الاسم والذكر يعني أن إطلاق اسم الشيء لما كان سببا لذكره صح إطلاق الاسم وإرادة الذكر مجازا. قيل: ويجوز أن يجري النظم على ظاهره من غير تقدير المضاف ولا ارتكاب المجاز بكون المعنى: فسبح اسم ربك فإنه كان يجب تنزيه ذاته وصفاته عن النقائص كذلك يجب تنزيه الألفاظ الموضوعة للدلالة على ذاته عن سوء الأدب، وهذا أبلغ في الدلالة على تسبيح ذاته تعالى لأنه يلزم منه ذلك بالطريق الأولى. غاية ما في الباب أن يعدى فعل التسبيح إلى مفعوله بواسطة الباء مع أنه يتعدى إليه بنفسه كما في قوله:
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [الأعلى: 1] ولا محذور فيه لأنه إذا كان تعلق الفعل بالمفعول ظاهرا