الصفحة 34 من 38

ذلك، وهذا الجواب ضعيف، والظاهر أن هذا مذهب عمر فإن لم يكن في النصوص ما يخالفه ولا نقل عن الصحابة ما يحالفه صح التمسك به.

ثم ذكر البخاري في الباب حديث أبي بكرة"أثنى رجل على رجل عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال ويلك قطعت عنق صاحبك مرارًا"ثم قال: من كان منكم مادحًا أخاه لا محاله فليقل: أحسب فلانًا، والله حسيبه؛ ولا أزكى على الله أحدًا، أحسبه كذا وكذا إن كان يعلم ذلك منه"."

قال ابن حجر في الفتح:"ووجه احتجاجه بحديث أبي بكرة أنه صلى الله عليه وآله وسلم اعتبر تزكية الرجل إذا اقتصد؛ لأنه لم يعب عليه إلا الإسراف والتغالي في المدح، واعترضه ابن المنير بأن هذا القدر كاف في قبول تزكيته، وأما اعتبار النصاب فمسكوت عنه، وجوابه أن البخاري جرى على قاعدته بأن النصاب لو كان شرطًا لذكر، إذ لا يؤخر البيان عن وقت الحاجة".

أقول لا يخفى حال هذا الجواب فإنه ليس في الحديث أن الممدوح شهد أو أخبر ولا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بنى على مدح المادح حكمًا يحتاج فيه إلى عدالة الممدوح، وليس هناك حاجة لبيان نصاب التعديل.

نعم الأشبه بدقة نظر البخاري رحمه الله تعالى، ولطف استنباطه، إذ فهم من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمادح"قطعت عنق صاحبك"ثناء على الممدوح؛ فإن قطع العنق كناية عن الإهلاك، والمعنى كما قال الغزالي"إن الآفة على الممدوح أنه لا يأمن أن يحدث فيه المدح كبرًا أو إعجابًا، أو يتكل على ما شهره به المادح، فيفتر عن العمل؛ لأن الذي يستمر على العمل غالبًا هو الذي يعد نفسه مقصرًا"ذكره في الفتح.

فكأن البخاري رحمه الله فهم أن المدح إنما يقطع عنق من له عنق والكافر والفاسق مقطوعة أعناقهما، ففي قوله صلى الله عليه وآله وسلم"قطعت عنق صاحبك"دلالة على أنه صلى الله عليه وآله وسلم قضى بأن للممدوح عنقًا يخشى أن يقطعها المادح بمدحه، والعنق هي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت