أقول: ذكروا أن المدار على العرف وانه يختلف باختلاف حال الرجل وزمانه ومكانه، فقد يعد الفعل خرمًا للمروءة إذا وقع من رجل من أهل العلم لا إذا كان من فاجر ـ مثلًا ـ وقد يعد ذلك الفعل من مثل ذلك الرجل خرمًا للمروءة في الحجاز ـ مثلًا ـ لا في الهند، وقد يعد خرمًا للمروءة إذا كان في الصيف لا إذا كان في الشتاء، أو يعد خرمًا في عصر ثم يأتي عصر آخر لا يعد فيها خرمًا.
ثم أقول: لا يخلو ذلك الفعل الذي يعده أهل العرف خرمًا للمروءة عن واحد من ثلاثة أوجه:
الأول: أن يكون ـ مع صرف النظر عن عرف الناس ـ مطلوبًا فعله شرعًا وجوبًا أو استحبابًا.
الثاني: أن يكون مطلوبًا تركه بأن يكون حرامًا أو مكروهًا أو بخلاف الأولى.
الثالث: أن يكون مباحًا.
فأما الأول فلا وجه للالتفات إلى العرف فيه، لأنه عرف مصادم للشرع، بل إذا ترك ذلك الفعل رجل حفظًا لمروءته في زعمه كان أحق بالذم ممن يفعله لمجرد هواه وشهوته.
وأما الثاني فالعرف فيه معاضد للشرع فالاعتداد به في الجملة متجه، إذ يقال في فاعله: إنه لم يستح من الله عز وجل ولا من الناس، وضعف الحياء من الله عز وجل ومن الناس أبلغ في الذم من ضعف الحياء من الله عز وجل فقط، وتقدم حديث"كل أمتي معافى إلا المجاهرين".
وأما الثالث فقد يقال: يلتحق بالثاني، إذ ليس في فعل ذلك الفعل مصلحة شرعية، وفيه مفسدة شرعية، وهي تعريض النفس لاحتقار الناس وذمهم.
هذا وقد يقال: إذا ثبت صلاح الرجل في دينه بأن كان مجتنبًا الكبائر و الصغائر غالبًا فقد ثبتت عدالته، ولا يلتفت إلى خوارم المروءة؛ لأن الظاهر في مثل هذا أنه لا يتصور فيه أن يكون إخلاله بالمروءة غالبًا عليه، وعلى فرض إمكان ذلك فقد تبين من قوة إيمانه وتقواه