اشتهر بين أهل العلم أن الإصرار على الصغيرة يصيرها كبيرة، وقال جماعة كالكبيرة في رد الشهادة و الرواية، وقيده جماعة بالإصرار على كثير من الصغائر، بحيث تصير معاصي الرجل أغلب من طاعاته، فنص جماعة من الأئمة كالشافعي وغيره على أن من غلبت طاعاته معاصيه فهو عدل، وعبارة الشافعي:"لا أعلم أحدًا أعطى طاعة الله حتى لم يخلطها بمعصية الله إلا يحيى بن زكريا عليه السلام، ولا عصى الله فلم يخلط بطاعته، فإذا كان الأغلب الطاعة فهو العدل، وإذا كان الأغلب المعصية فهو المجرح"أسنده الخطيب في الكفاية ص 79، وذكر هناك أقوالًا أخرى في هذا المعنى، وبسط الخلاف فيه ابن حجر المكي في الزواجر (3/ 187) .
أقول: قد يصعب الحكم على من يجتنب الكبائر كلها بأن الغالب عليه المعصية، و الغالب على من يستكثر من الصغائر إلى ما يقرب هذا الحد أنه لا يسلم من بعض الكبائر، وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وآله وسلم"الحلال بين و الحرام بين، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه"فالصغائر حمى الكبائر، فمن وقع في الصغائر إلى الحد المتقدم ذكره فالغالب أنه يقع في الكبائر، والله أعلم.
فإن فرض أنه لم يوقف له على كبيرة فقد يقال: يجعل حكمه حكم مرتكب الكبيرة؛ لما تقدم أن الغالب أنه لا يسلم منها.
فصل 5
عدوّوا مما يسقط العدالة صغائر الخسة، ومثلوه بالتطفيف بحبة، وبسرقة باذنجانة، وكذلك قالوا في الرشوة، وأكل مال اليتيم، والغصب، وجزم كثير بأن هذه كلها كبائر سواء وقعت في كثير أو قليل، راجع الزواجر (1/ 331) .
أقول: الظاهر أنها كبائر، وعلى فرض أنها صغائر فالغالب أن صاحبها لا يسلم من الكبائر، لأن من لم يمنعه دينه وإيمانه وتقواه من المعصية لتحصيل منفعة تافهة فلأن لا يمنعه ذلك من تحصيل ما هو أعظم منها أولى وأحرى، قال الله تبارك وتعالى: ومن أهل الكتاب من إن