الحمد لله الذي فطر الكون وأبدعه، وخلق الإنسان وعدله، وشرع الدين وأحكمه، وأنزل القرآن وفصّله {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} .
والصلاة والسلام على من شرّفه الله بإنزال القرآن على قلبه ليكون للعالمين بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، أما بعد:
فإنّ القرآن الكريم هو كلام الله الذي أنزله في أوجز لفظ، وأعجز أسلوب، فأعيت بلاغته البلغاء، وأعجزت حكمته الحكماء، وأبكمت فصاحته الخطباء، وتحدّى الله به الإنس والجن {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا}
فكان بذلك حجة على الناس في كل عصر ومصر، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ومن تمام هذه المعجزة أنّ الله تكفّل بحفظه من التغيير والتبديل، ومن الزيادة والنقصان {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} .
ولقد تناول العلماء هذا القرآن منذ نزوله، تلاوة وحفظًا، تدبّرًا واستنباطًا، تفسيرًا وبيانًا، تأليفًا وبحثًا عن عجائبه وأسراره التي لا تنقضي، ولذلك تعدّدت الدراسات حول القرآن وتنوّعت؛ فمنهم من عُني بأسباب النزول والمناسبات بين الآيات والسور، ومنهم من عُني بالناسخ والمنسوخ، ومنهم من عُني بالأحكام والتشريعات، ومنهم من عُني بغريبه ومعانيه، ومنهم من عُني بإعرابه وبلاغته، ومنهم من عُني بمشكلة ومتشابهه. وقد استأثر التفسير بالنصيب الأوفر من هذه الدراسات، فألّفت كتب كثيرة في هذا الباب، ما بين مطيل متوسع، ومختصر موجز، ومتوسط مقتصد، ولقد كان الإمام شهاب الدين أحمد بن إسماعيل الكوراني المتوفى سنة (893 هـ) ممّن صنّف في التفسير كتابًا سمّاه"غاية الأماني في تفسير الكلام"