الأول: أنّ العلة من هذا الأمر هو تحصيل أطهرية القلوب، وأمهات المؤمنين أطهر النساء قلوبا، فغيرهنّ من النساء أشد حاجة لتحصيل ما يحقق أطهرية القلوب، ولو لم يكن هذا الأمر معللا أو معللا بغير أطهرية القلوب لاحتمل الخصوصية، أمّا وقد علل بتحصيل أطهرية القلوب فإنّ حملَه على الخصوص إهمال للعلة، ومعلوم أن (العلة تعلل معلولها) .
الثاني: أنّ نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - محرّمات في النكاح على جميع المؤمنين لقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا} [1] ، ومعلومٌ أنّ ميلَ الإنسانِ لمن تحرمُ عليه -إن وُجدَ- أقلُّ من ميله إلى غيرها، وافتتانه بغير المحرمة أعظم، فكان منع الاختلاط بأمهات المؤمنين مع تحريمهن دليل على منع الاختلاط بغيرهنّ من باب أولى.
قال الطبري -رحمه الله- في تفسير الآية: (يقول: وإذا سألتم أزواج رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ونساء المؤمنين اللواتي لسن لكم بأزواج متاعًا {فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} [2] يقول: من وراء ستر بينكم وبينهن، ولا تدخلوا عليهن بيوتهن) [3] .
وقال القرطبي -رحمه الله-: (في هذه الآية دليل على أن الله تعالى أذن في مسألتهن من وراء حجاب، في حاجة تعرض، أو مسألة يستفتين فيها، ويدخل في ذلك جميع النساء بالمعنى، وبما تضمنته أصول الشريعة من أن المرأة كلها عورة) [4] .
وقال محمد الأمين الشنقيطي: (أما القرآن العظيم فمن أدلته العظيمة التي لا ينبغي العدول عنها بحال من الأحوال أن الله أنزل فيه أدبًا سماويًا أدب به خير نساء الدنيا وهن نساء سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم فأمر فيه جميع الرجال أن لا يسألوهن متاعًا إلا من وراء حجاب ثم بين أن الحكمة في ذلك أن تكون قلوب كل من الجنسين في غاية الطهارة من أدناس الريبة بين الجنسين، وقد تقرر في علم الأصول أن العلة تعمم معلولها وتخصصه، والعلة في
(1) الأحزاب:53.
(2) الأحزاب:53.
(3) جامع البيان في تأويل القرآن 20/ 313.
(4) الجامع لأحكام القرآن 14/ 227.