الصفحة 33 من 47

وغيرهما من قسم (الصريح) [1] ، وبالنظر من خلال هذا المسلك في قول النبي - صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنّه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنّه له وجاء» [2] ؛ يتبيّن لنا أنّ تحقيق (كمال غض البصر) ، و (تمام إحصان الفرج) من مقاصد الشريعة، ومن خلال ما يسمّيه علماء الأصول (تحقيق المناط) [3] نجد أنّ الفصل بين الجنسين، وعدم الاختلاط هو الذي يحقق هذان المقصدان على وجه التمام والكمال؛ فإنّه لا يختلف اثنان أنّ مخالطة النساء ليست (أغض للبصر) ، وأنّ ترك مخالطتهنّ (أغض للبصر) ، والنتيجة: أنّ ترك الاختلاط يحقق هذا المقصد الشرعي فيكون مأمورا به.

ويؤخذ من هذا الحديث: الأمر بكل ما يكون (أغض للبصر وأحصن للفرج) لأن القاعدة في علم الأصول أنّ (العلة تعمم معلولها) [4] كما سبق.

وذكر ابن عاشور مسلكًا ثالثًا تعرف به مقاصد الشريعة، ألا وهو (استقراء الشريعة في تصرفاتها) [5] ، وبتطبيق هذا المسلك على مسألتنا يجد الناظر جملة كثيرة من النصوص الشرعيّة تشرع ما فيه"سدّ أبواب افتتان الجنسين ببعضهما"، فحرّمتْ الخلوة، والتبرّجَ، وإظهار الزينة لغير المحارم، وخضوع المرأة بصوتها حتى لا يطمع من في قلبه مرض، و ضرب المرأة برجلها ليعلم ما تخفي من زينتها وغير ذلك، كما أمرتْ المرأة بالقرار في بيتها، وأمرتْ بسؤال نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - من وراء حجاب تحقيقًا لأطهرية القلوب، وأمرتْ بالحجاب، وفضّلتْ صلاة المرأة في بيتها، وفي الصف الأخير البعيد عن الرجال، وخصص - صلى الله عليه وسلم - بابا للنساء في مسجده ... إلى آخر تلك التشريعات الكثيرة التي يُفهمُ منها بجلاء ووضوح أن

(1) شرح الكوكب 4/ 119.

(2) متفق عليه: أخرجه البخاري في صحيحه 2/ 673، كتاب الصوم، باب الصوم لمن خاف على نفسه العزوبة، حديث رقم:1806، ومسلم في صحيحه 4/ 128، كتاب النكاح، باب النكاح لمن تاقت نفسه إليه، حديث رقم:3464.

(3) هو (إثبات علة حكم الأصل في الفرع) أو (أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي لكن يبقى النظر في تعيين محله) . انظر: الاجتهاد في تحقيق المناط لعبد الرحمن زايدي ص179 - 180.

(4) انظر ص3، حاشية 2.

(5) مقاصد الشريعة لابن عاشور ص56.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت