ويمكن ان نستدل على جواز استعمال السيارة من القرآن، بقوله تعالى:"والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون" [1] .
قال السعدي: ويخلق ما لاتعلمون، مما يكون بعد نزول القرآن من الاشياء، التي يركبها الخلق في البر، والبحر، والجو، ويستعملونها في منافعهم ومصالحهم، فانه لم يذكرها باعيانها، لان الله تعالى لم يذكر في كتابه الا ما يعرفه العباد، أو يعرفون نظيره، واما ما ليس له نظير في زمانهم، فانه لو ذكر لم يعرفوه، ولم يفهموا المراد به، فيذكر اصلا جامعا، يدخل فيه ما يعلمون، وما لا يعلمون" [2] ."
ومن الادلة العقلية ان الانتفاع بالمباح انتفاع بشيء لا ضرر فيه، فوجب ان لا يمنع [3] .
وعليه، فإن قيادة السيارة من المباحات في الشريعة الاسلامية، وقد اجاز قانون المرور الكويتي في المادة (15) قيادة السيارة بعد الحصول على رخصة من الجهة المختصة، تخول حاملها قيادة السيارة.
واذا قلنا: بأن قيادة السيارة من المباحات، فلا يقال: ان ترك المباحات طريق الزهاد والصالحين، لان حقيقة الزهد هو ما كان تركه افضل من فعله، والمباح المحض ليس من هذا القبيل، واذا اعتبرنا ترك بعض المباحات زهدا، فلاجل ما في ذلك من قصد حسن، واشتغال بما هو اولى، وقد آل إلى اتخاذ وسيلة، فخرج عن دائرة الاباحة، فهو فضيلة من جهة ذلك المطلوب، لا من جهة مجرد الترك [4] .
حكم قيادة المرأة للسيارة:
ان الاصل في قيادة السيارة انها مباحة للرجال والنساء دون تفريق، الا إذا اقترن بقيادتها للسيارة امر محروم، أو التلبس حال قيادتها شيء من المحرمات، أو يخشى عليها من الضرر على نفسها أو عرضها، فحينئذ يحرم على المرأة قيادة السيارة للصفة التي اقترنت بها؛ وذلك لانه لا بد من ربط الاحكام الشرعية التكليفية بما يتصل بها من اسباب موجبة لها، وشروط لتحقيقها، وموانع ان وجدت زال اثر السبب، فاذا وجد السبب، وتحقق الشرط، وزال المانع ترتب على الفعل الاثر الشرعي، والتكليف الذي ارتبط به. [5]
وهذا ما ايدته الفتوى الصادرة من وزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية في دولة الكويت رقم (7/ 22/83) ، والتي نصت على ان"قيادة المرأة للسيارة جائزة إذا لم يقترن بذلك امر محرم، كاتخاذها وسيلة للمعصية، أو التلبس حال قيادتها بشيء من المحرمات، كابداء الزينة، وترك ستر ما يجب عليها ستره، وهو بدنها كله، ما عدا الوجه والكفين، وكترك التحرز عن السفر وحدها دون زوج أو محرم،"
(1) سورة النحل: آية 8.
(2) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان- عبد الرحمن بن ناصر السعدي- طبعة ادارة البحوث والافتاء - الرياض- 1404هـ (4/ 186) .
وقال صاحب كتاب صفوة التفاسير عند قوله تعالى:"ويخلق ما لا تعلمون": اي يخلق في المستقبل ما لا تعلمون الان، كوسائل النقل الحديثة، والقاطرات، والسيارات، والطائرات. انظر صفوة التفاسير- محمد علي الصأبوني - دار القرآن الكريم- بيروت - الطبعة الرابعة - 1402هـ- 1981م (2/ 120) .
(3) الوجيز في ايضاح قواعد الفقه الكلية - محمد صدقي البورنو- مؤسسة الرسالة - بيروت - الطبعة الرابعة 1416هـ - 1996م - ص 193.
(4) نظرية المقاصد عند الامام الشاطبي- احمد الريسوني - المعهد العالمي للفكر الاسلامي - الطبعة الثانية - 1412هـ - 1992 هـ - ص 150.
(5) اصول الفقه - محمد أبو زهرة - القاهرة 1958 ص 55.