لقد اتت الشريعة الاسلامية لتحقيق مصالح الناس، ووضعت الاحكام التي من شأنها توفير السلامة للمجتمع. فمن الفقهاء من ارجع قواعد الفقه إلى سبع عشرة قاعدة، ومنهم من ردها إلى اربع قواعد، والتي منها قاعدة: الضرر يزال، والمبنية على"لا ضرر ولا ضرار" [1] .
وقد ارجع الشيخ عز الدين بن عبد السلام الفقه كله إلى اعتبار المصالح، ودرء المفاسد، بل قد يرجع الكل إلى اعتبار المصالح، فإن درء المفاسد من جملتها"فالشريعة كلها مصالح، اما تدرأ مفاسد، واما تجلب مصالح" [2] .
ولقد اتت الشريعة الاسلامية لحفظ الضروريات الخمس، وهي: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسب، وحفظ المال، باعتبار ان هذه الحياة الدنيا التي يعيش فيها الانسان مبنية على هذه المصالح، ولا تتوافر معاني الحياة الانسانية الكريمة الا إذا توافرت هذه الامور، والمحافظة عليها، ومنع اي اعتداء يمتد اليها.
ومما يدخل في عموم المحافظة على النفس، المحافظة على سلامة قائدي السيارات والركاب والمشاة من حوادث السير بالسيارات، لما في هذه الحوادث من ازهاق لانفس كثيرة، واصابات بليغة تحصل نتيجة لها.
وكما أنه يدخل في عموم المحافظة على المال، العمل على سلامة السيارات من التلف والناتج عن الحوادث، بالاضافة إلى اتلاف المرافق العامة، كالانوار، والزروع، ونحو ذلك، حتى لا يذهب المال في غير مصلحة تعود على الامة.
وعند النظر في انظمة المرور التي تسنها الدول، فهي داخلة تحت قاعدة الضرر يزال، وقد راعى واضعو هذه الانظمة جلب المصلحة، ودرء المفسدة، سواء اكانت على النفس ام على المال.
وأن القيود التي تضعها هذه الانظمة، تهدف إلى تحقيق المصلحة العامة، وتحقيق الحياة الامنة للانسان، ولا شك في ان ذلك مطلب شرعي، مقصود في الشريعة الاسلامية، فالسير في الطريق وأن كان مباحا، كما قرر الفقهاء، حيث قال الحصفكي:"الاصل ان المرور في طريق المسلمين مباح، بشرط السلامة فيما يمكن الاحتراز عنه" [3] ، الا أنه احيانا يمنع الانسان من السير في بعض الطرقان، أو الاتجاهات، أو الوقوف في بعض الاماكن، وذلك لمصلحة عامة، والقاعدة عند الفقهاء، يتحمل الضرر الخاص لدفع ضرر عام [4] .
فالشريعة الاسلامية وضعت قواعد عامة كاملة وشاملة، وتركت سعة لاجتهاد الفقهاء في سبيل تحقيق هذه القواعد، وهذا احد اسرار خلود الشريعة الاسلامية، وصلاحيتها لكل زمان ومكان.
(1) القواعد الفقهية الكبرى - صالح السدلان - ص 497، وانظر الوجيز - محمد البورنو ص 258.
(2) قواعد الاحكام- عز الدين بن عبد السلام (1/ 9) ، الاشباه والنظائر - السيوطي - ص8.
(3) الدر المنتقى في شرح الملتقى - محمد بن علي الحصني المعروف بالعلاء الحصفكي - دار الكتب العلمية - بيروت - بهامش كتاب مجمع الانهر - الطبعة الاولى - 1419هـ - 1998م (4/ 372) .
(4) الاشباه والنظائر - زين العابدين بن ابراهيم بن نجيم - دار الكتب العلمية - بيروت - الطبعة الاولى - 1413هـ - 1993م ص87، وانظر القواعد الفقهية الكبرى- صالح السدلان - ص 534.