الاتجاه الثاني: ومن أبرز رموزه ابن حزم الظاهري وعموم الظاهرية (70) ، وينحو هذا الفريق من الأصوليين إلى إهدار أثر الاحتمالات الواردة في سياق الاستدلال بما ظهر وتبادر بالدلالة اللفظية، حتى وإن الاستدلال بالظاهر - عند هذا الفريق - ليرتقي إلى مرتبة القطعية التي لا يقبل معها مخالفة (71) ؛ لذا فكل استدلالٍ بغير ظاهر الدلالة اللفظية عمل بالاحتمال والظن في مقابلة الجلاء والبيان، والتالي باطل لتضمنه التقوّل على الله تعالى ونسبة ما لم يشرعه إلى شرعه (72) .
يقول ابن حزم:"فإذا قام البرهان عند المرء على صحة قول ما قيامًا صحيحًا، فحقه التدين به والفتيا به والعمل به والدعاء إليه والقطع أنه الحق عند الله عز وجل" (73) .
ويقول أيضًا:"والفرض على الجميع الثبات على ما جاء به النص ما دام يبقى اسم ذلك الشيء المحكوم فيه عليه؛ لأنه اليقين والنقلة عنه دعوى وشرع لم يأذن الله به" (74) .
ولقد أفرز هذا التوجه الأصولي عددًا من الآراء منها:
1.يذهب الظاهرية إلى بطلان الاستدلال بالتعليل والقياس بناءً على أن التعليل يعد خروجًا عن ظاهر الدلالة اللفظية بحيث يجري مجرى الاحتمال والظن في سياق الاستدلال، وهو مطرّح قطعًا (75) ؛ إذ"لا يجوز أن نحكم في الدين بالشك" (76) .
يقول ابن حزم:"والقياس اسم في الدين لم يأذن به الله تعالى، ولا أنزل به سلطانًا، وهو ظن منهم بلا شك، لتجاذبهم علل القياسات بينهم... وهذه كلها ظنون فاسدة وتخاليط، وأسماء لم يأذن الله تعالى بها ولا أنزل بها سلطانًا" (77) .
ويقول:"وأعلم أنه لا يمكن أحد منهم أن يدعى علة في شيء من الأحكام إلا أمكن لخصمه أن يأتي بعلةٍ أخرى يدعي أن ذلك الحكم إنما وجب لها، وهذا ما لا مخلص لهم منه، وبالله تعالى نعتصم" (78) .
وبناءً على هذا الأصل نفسه فهم يبطلون كذلك العمل بالمفاهيم عمومًا؛ لأنه عمل بما يقابل الظاهر اللفظي (79) .