ماذا يقول إذن هؤلاء المانعون في هذه الأحاديث التي كتبت مباشرة حينما تفوّه بها النبي عليه السلام، ومما لاشك فيه أنها كتبت بألفاظها وحروفها ولم يسقط منها شيء.
ويحدّثنا الشيخ محمد الخضر حسين بأن (( تدوين الحديث وقع بأمر الخليفة عمر بن عبدالعزيز المتوفى 101هـ. ومن المروي في الصحيح أنه كتب إلى أهل الآفاق: ان انظروا ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته فاجمعوه أو فاكتبوه، وأول من دوّن الحديث محمد بن مسلم الزهري المتوفى 124هـ، والمعروف أنه كان يروي عن الصحابة مثل عبدالله بن عمر، وأنس بن مالك، وسهل بن سعد الساعدي ) ) [8] .
والمعروف أن عصر محمد بن مسلم الذي دون فيه الحديث عصر السليقة والطبع، فاللغة لم تفسد، ولم يكثر اختلاط العرب بالأعاجم إلاّ في العصر العباسي.
أمّا بنو أمية فقد ظلوا محتفظين بطابعهم العربي، معتزلين عن تيارات الأعاجم، وثقافاتهم المختلفة.
ولما جاء رواة الحديث المتأخرون في العصر العباسي كالبخاري والنسائي فإن معظم ما في كتبهم الستة كان معروفًا في الكتب المصنّفة من قبل.
ذكر الحافظ ابن حجر مصنفات أئمة الحديث في الصدر الأول وقال: (( فلما رأى البخاري هذه المصنّفات، ورواها وجدها بحسب الوضع جامعة، فألّف كتابه مقتصرًا على الصحيح، وإذا رأينا مثل البخاري يقول في كتابه: حدّثنا فلان، فهذا لا يمنع من أن يكون الحديث مدوّنًا في كتاب، وربما قال الراوي: أملى علينا فلان كذا، وكذا .. حديثًا من حفظه، ثم قرأها علينا من كتابه ) ) [9] .
أليس هذا يدل على أن الدقة في الأحاديث والعناية بجمعها، والاهتمام بكتابتها يجعلها أولى في مجال الاحتجاج في النحو من شعراء الشعراء والأقيسة والتعليلات.
وعلى فرض أن بعض الأحاديث رويت بالمعنى، فهذا لا ينقص من قدرها في مجال الاستشهاد؛ لأن الرواة كانوا حريصين الحرص كله على أن يسجلوا أو يرووا الحديث بلفظه، ولكن قد لا يسعف الذاكرة بتذكر كل كلمات الحديث فيحاول الراوي أن يأتي بلفظة أخرى تؤدي معنى اللفظة المفقودة.
وما دام الراوي يعيش في عصر يحتج بشعره فمن باب أولى أن يحتج بما رواه وبما نقله عن النبيّ صلى الله عليه وسلم .
ثم إن السبب الذي جعل العلماء يجوّزون رواية الحديث بالمعنى في رأيي يرجع إلى محاولة هؤلاء الرواة الدّقة، والضبط، والاتقان في رواية الحديث، ولكنهم بَشَرٌ، ولهم طاقة، والذاكرة عرضة للنسيان، فلأجل بعدهم عن الكذب في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بإتيان ألفاظ من ألفاظهم، ونسبتها إلى النبيّ عليه السلام جوّزوا الرواية، بالمعنى حتى لا يقعوا في هذا المأزق الوعر الذي يجرّ عليهم غضب الله، ثم غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ومن عجب أن يعلّل أبو حيّان عدم الاحتجاج بالحديث الشريف بأن رُواته لم يكونوا عربًا بالطبع، ويتعلمون لسان العرب بصناعة النحو؟ وقد غاب عن ذهن أبي حيّان أن إمامه سيبويه عميد اللغة، وأستاذ أساتذتها، وصاحب القياس والتعليلات فيها ومنتج الكتاب الذي يعدّ من أكبر الأصول في اللغة العربيّة وقواعدها؛ غاب عن ذهنه أن سيبويه لم يكن عربيًّا، وأنه كان أعجميًّا، واللغة ملك لمن يتعلمها، فكل من تعلم اللغة، وتكلم بها، وعرف قواعدها فهو عربي، وإن كان نسبه أعجميًا.
ولا أدري لِمَ يتشدد أبو حيّان في عدم الأخذ بالحديث؟ مع أن كثيرًا من الأشعار العربية التي تعدّ في نظره أولى من الاحتجاج بالحديث هذه الأشعار - كانت مجالًا لتغييرات الرواة، واستبدال كلماتها بكلمات من عندهم، بل قد بلغ بهم أن يؤلفوا الشعر، وينسبوه لشعراء مشهورين، ومع ذلك فقد قعّدت