ولهذا كان الاحتجاج بالحديث يلي في نظر هؤلاء المجوّزين القرآن الكريم في مرتبة الاحتجاج به. وقد دافع (الدّمَامِينيّ) عن ابن مالك في احتجاجه بالحديث الشريف، فقال:
(( قد أكثر المصنّف من الاستدلال بالأحاديث النبوية، وشنع أبو حيّان عليه، وقال: إنّ ما استند إليه من ذلك لا يتمّ له، لتطرق احتمال الرواية بالمعنى، فلا يوثق بأن ذلك المحتج به لفظه عليه الصلاة والسلام حتى تقوم به الحجّة، وقد أجريت ذلك لبعض مشايخنا، فصوّب رأي ابن مالك فيما فعله بناء على أن اليقين ليس المطلوب في هذا الباب، وإنما المطلوب غلبة الظنّ الذي هو مناط الأحكام الشرعيّة، وكذا ما يتوقف عليه من نقل مفردات الألفاظ، وقوانين الإعراب فالظن في ذلك كله كاف، ولا يخفى أنه يغلب على الظن أن ذلك المنقول المحتج به لم يبدّل؛ لأن الأصل عدم التبديل، ولاسيما والتشديد في الضبط، والتحرّي في النقل للأحاديث شائع بين النقلة والمحدّثين.
ومن يقول منهم بجواز النقل بالمعنى، فإنما هو عنده بمعنى التجويز العقلي الذي لا ينافي وقوع نقيضه، فلذلك تراهم يتحرّون في الضبط، ويتشددون مع قولهم بجواز النقل بالمعنى، فيغلب على الظنّ من هذا كله أنها لم تتبدّل، ويكون احتمال التبديل فيها مرجوحًا فيلغى ... ثم إن الخلاف في جواز النقل بالمعنى إنما هو فيما لم يدوّن، ولا كُتِبَ، وأمّا ما دوِّن، وكتب، فلا يجوز تبديل ألفاظه من غير خلاف بينهم )) [4] .
جـ - رأي الشاطبي:
أمّا الشاطبي تلميذ أبي حيان، فإنه توسط بين الطرفين المتنازعين فقبل بعض الأحاديث، ورفض الاحتجاج ببعضها الآخر، ذلك لأنه قسّم الأحاديث إلى قسمين:
قسم يعتني ناقله بمعناه دون لفظه، فهذا لم يقع به استشهاد أهل اللسان. وقسم عرف اعتناء ناقله بلفظه لمقصود خاص كالأحاديث التي قصد بها بيان فصاحته صلى الله عليه وسلم ككتابه لهمدان، وكتابه لوائل بن حجر، والأمثال النبويّة فهذا يصح الاستشهاد به في العربية.
ثم نعى على ابن مالك عدم هذا التفصيل فقال: (( وابن مالك لم يفصل هذا التفصيل الضروري الذي لابدّ منه، وبنى الكلام على الحديث مطلقًا ) ) [5] .
3 - (نقد وتعقيب)
لست أدري ما الذي حمل أبا الحسن بن الصائغ على عدم أخذه بالحديث الشريف في مجال الاحتجاج به لتقعيد القواعد، وبناء الأساليب؟
شبهته التي حالت بينه وبين ذلك هي جواز رواية الحديث بالمعنى، ومن أجل هذه الشبهة يسقط أصلًا كبيرًا من أصول الاستشهاد النحوي الممثل في الحديث الشريف، وقد غاب عن ذهنه أن المسلمين كانوا حريصين كل الحرص على تلقف الكلمات من فم النبيّ صلى الله عليه وسلم، وحفظها، وترديدها، لما تشتمل عليه من تعاليم، وأحكام شرعية من ناحية، ولأسلوبها، وجمالها، ودقة تركيبها من ناحية أخرى.
ولو رجعنا إلى تاريخ تدوين الحديث الشريف لرأينا أن أصل كتابة الحديث وقع في عهد النبي عليه السلام، وممّن كان يكتب الحديث عنه عبدالله بن عمرو بن العاص الذي تحدّث عنه أبو هريرة فقال: (( ما كان أحد أحفظ لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مني إلاّ عبدالله ابن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب ) ) [6] .
وقد حدّثنا مجاهد أنه قال: (( رأيت عند عبدالله بن عمرو صحيفة، فسألته عنها فقال: هذه الصادقة، فيها ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس بيني وبينه فيها أحد ) ) [7] .