د. عبدا لعال سالم مكرم
1 -المعنى المقصود من الحديث الشريف:
المراد من الحديث الشريف هو (( أقوال النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأقوال الصحابة التي تحكي فعلًا من أفعاله عليه السلام، أو حالًا من أحواله، أو تحكي ما سوى ذلك من شؤون عامّة، أو خاصة تتصل بالدين، حتى أقوال بعض الصحابة، أو أقوال بعض التابعين متى جاءت عن طريق المحدّثين تأخذ حكم الأقوال المرفوعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، من جهة الاحتجاج بها في إثبات لفظ لغوي، أو وضع قاعدة نحوية ) ) [1] .
2 -اختلاف النحاة في الاحتجاج بالحديث الشريف:
أ - ذهب أبو الحسن بن الصائغ، وأبو حيان الأندلسي إلى أن الاحتجاج بالحديث الشريف في الدراسات النحوية لا يجوز، وذلك لأن علماء الحديث أجازوا الرواية بالمعنى، ومعنى ذلك أن بعض الأحاديث التي رويت بالمعنى لم تكن ألفاظها من ألفاظ النبيّ عليه السلام، وإنما هي من ألفاظ الرواة الذين لم يكونوا عربًا بالطبع، ذلك لأن معظم رواة الحديث كانوا من الأعاجم الذين تعلموا العربية عن طريق الدراسة والمحاكاة وإني أترك المجال لأبي الحسن ابن الصائغ نفسه ليحدثنا بوجهة نظره في عدم الاحتجاج بالحديث الشريف. قال في (شرح الجُمل) : (( تجويز الرواية بالمعنى هو السبب عندي في ترك الأئمة كسيبويه وغيره، الاستشهاد على إثبات اللغة بالحديث، واعتمدوا في ذلك على القرآن، وصريح النقل عن العرب، ولولا تصريح العلماء بجواز النقل بالمعنى في الحديث لكان الأولى في إثبات فصيح اللغة كلام النبيّ صلى الله عليه وسلم لأنه أفصح العرب ) ) [2] .
أما أبو حيان الأندلسي فقد ردّد نفس الحجج التي ردّدها أبو الحسن ابن الصائغ، فقد قال في (شرح التسهيل) : إنما ذكر العلماء ذلك لعدم توقعهم أن ذلك لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ لو وثقوا بذلك لجرى مجرى القرآن الكريم في إثبات القواعد الكلية، وإنما كان ذلك لأمرين:
أحدهما: أنّ الرواة جوزوا النقل بالمعنى، فتجد قصة واحدة قد جرت في زمانه صلى الله عليه وسلم لم تُقَل بتلك الألفاظ جميعها، نحو ما روي من قوله:"زوجتكها بما معك من القرآن"و"ملكتكها بما معك من القرآن"و"خذها بما معك من القرآن"وغير ذلك من الألفاظ الواردة، فنعلم يقينًا أنه صلى الله عليه وسلم لم يلفظ بجميع هذه الألفاظ، بل لا نجزم بأن قال بعضها، إذ يحتمل أنه قال لفظًا مرادفًا لهذه الألفاظ وغيرها، فأتت الرواية بالمرادف، ولم تأت بلفظه إذ المعنى هو المطلوب، ولاسيما مع تقادم السماع، وعدم ضبطها بالكتابة والاتكال على الحفظ، والضابط منهم من ضبط المعنى، وأمّا من ضبط اللفظ فبعيد جدًا لاسيما في الأحاديث الطوال.
الأمر الثاني: أنه وقع اللحن كثيرًا فيما ورد من الحديث؛ لأن كثيرًا من الرواة كانوا غير عرب بالطبع، ويتعلمون لسان العرب بصناعة النحو، فوقع اللحن في كلامهم وهم لا يعلمون، ودخل في كلامهم وروايتهم غير الفصيح من لسان العرب )) [3] .
ب - وذهب ابن مالك، وبعض المتأخرين كابن هشام إلى صحة الاحتجاج بالحديث الشريف؛ لأن الرسول عليه السلام أفصح العرب لسانًا، وأقواهم بيانًا، وأحسنهم بلاغة، وقد اهتم رواة الحديث بما نقل عنه صلى الله عليه وسلم وتشددوا في ضبطه، ودققوا في روايته، وتكبدوا المشاق والرحلات في سبيل ضبط هذه الأحاديث، ومعرفة الرجال الذين نقلوها أو رووها.