الصفحة 3 من 1745

وذلك أمر لا ينتهض به إلا أهل الهمم العالية من الصفوة الباقية، الذين هم في كل جيل، حلية أهل العصر. ونخبة النخبة في كل صقع ومصر، فهم السفرة الكرام في تحصيل هذه العلوم، والبررة المنتدبون لحفظها والذود عنها، والمعلمون القيمون عليها نشرا وتعليمًا، وتوجيها وتفهيما، وتقريبا وتيسيرا، لتستمر بذلك رسالة السلف في تربية الخلف، على ما فهمه وعلمه علماء هذا الشأن في هذه العلوم بمختلف شعبها وفروعها، من جريانها على التوقيف والأخذ، لا على الاجتهاد والرأي والاختراع وإعمال الفكر.

ولا فرق عندهم في ذلك بين المقروء والمرسوم، فكل ما بلغهم بطريق النقل المتوارث عند أهل هذا الشأن أخذوا به واعتمدوه، ووجهوه ونصروه، وحفظوه على وجهه، غير عادلين به عن سبيله، ولا ناكبين عن قبيله، نزولا على قول قائل، أو دعوة مأفون جاهل.

ولقد أحسن الإمام البغوي أبو محمد الحسين بن مسعود رحمه الله (ت 510هـ) في مقدمة كتابه في التفسير المسمى بمعالم التنزيل في الإشارة إلى هذا التلازم بين المباني والمعاني فيما تضمنه ما بين الدفتين من المصحف الشريف فقال:"والناس كما أنهم متعبدون باتباع أحكام القرآن وحفظ حدوده، فهم متعبدون بتلاوته على سنن خط المصحف الإمام، وأن لا يجاوزوا فيما يوافق الخط ما قرأ به القراء المعروفون الذين خلفوا الصحابة والتابعين واتفقت الأمة على اختيارهم" [1] .

وبهذا يتبين أن الأمة كما أنها متعبدة بهذا القرآن علما وعملا، فهي متعبدة به أيضا حفظا ووعيا، وأداء وتجويدا، وبيانا وتفسيرا،"ولم تزل العلماء تستنبط من كل حرف يقرأ به قارئ معنى لا يوجد في قراءة الآخر، والقراءة حجة الفقهاء في الاستنباط، وحجتهم في الاهتداء" [2] .

(1) - معالم التنزيل للبغوي: 1/37.

(2) - إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر للشيخ أحمد بن محمد البنا الدمياطي 1/67.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت