القول الثاني: أن معناه: إلا ما ملكت أيمانكم من الإماء ذوات الأزواج بسبي أو غير سبي، وعلى هذا تأول الآية جابر، وابن مسعود، وأبي بن كعب، وأنس ( - رضي الله عنهم - ) وكان هؤلاء
يرون بيع الأمة طلاقًا [1] .
ووجهه: أن كل من ملك أمة فهي له حلال على ظاهر الكتاب ذات زوج كانت أو غير ذات زوج، وإن كان ذلك كذلك فلا بد أن يكون بيع الأمة طلاقًا لها؛ لأن الفرج يحرم على اثنين في حال واحدة بإجماع من المسلمين [2] .
والذي يظهر -والله أعلم بالصواب- أن بيع الأمة ليس طلاقًا لها، وأن المراد بالاستثناء في الآية المسبيات اللاتي سبين وهن ذوات أزواج، وفي ذلك نزلت الآية، فقد أخرج مسلم وغيره عن أبي سعيد الخدري ( - رضي الله عنه - ) قال: (أصابوا سبيا يوم أوطاس [3] لهن أزواج فتخوفوا؛ فأنزلت هذه الآية: { * وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } ) [4] . وإن كان العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، إلا أنه قد يخص بالسبب إذا كان هناك مانع من العموم كالحال هنا، فحديث بريرة [5]
(1) زاد المسير (2 / 107) ، وانظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (5 / 81) ، تفسير القرآن العظيم لابن كثير (1/618 - 619) .
(2) انظر: الاستذكار لابن عبد البر (5 / 498) ، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (5 / 81) .
(3) أوطاس: واد في ديار هوازن، ويقع في شمال شرقي عشيرة على ضفة العتيق قرب بركة زبيدة وهو اليوم من ديار الشيابين والروقة من عتيبة وهي أرض جلدة ليس فيها جبال ولا حزوم ولا رمل.
انظر: معجم ما استعجم (1/212) ، ومعجم معالم الحجاز (1/152) .
(4) صحيح مسلم (ك: الرضاعة، ب: جواز وطء المسبية بعد الإستبراء وإن كان لها زوج) (2 / 1080) (ح رقم: 1456) .
(5) بريرة: هي مولاة عائشة -رضي الله عنها- اشترتها من رجل من بني هلال واعتقتها، وكان في قصة عتقها كثير من الأحكام.
انظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب (4/1795) ، وسير أعلام النبلاء (2/297) ، والإصابة في تمييز الصحابة (7/535) .