وجابر ( - رضي الله عنه - ) كسائر الصحابة إذا لم يجد التفسير في القرآن، ولا في السنة، رجع في ذلك إلى اجتهاده وإعمال رأيه، وهذا من التدبر المطلوب والمأمور به كما في الآيتين السابقتين، وهو من قبيل التفسير بالرأي المحمود المبني على معرفة ما يعين على فهم كتاب الله - عز وجل- وذلك بما يلي:
أولًا: معرفة اللغة العربية وأسرارها: لا شك أن معرفة اللغة العربية والوقوف على أسرارها عامل مهم للاجتهاد في فهم آيات القرآن الكريم، واستنباط دلالاتها وأحكامها.
وقد تقدم - في المبحث الثالث من هذا الفصل - الحديث حول أهمية هذا الجانب، وبيان استعانة الصحابة ( - رضي الله عنهم - ) به في تفسيرهم لكتاب الله - عز وجل - والإشارة إلى وجوده في تفسير جابر - رضي الله عنه - .
ثانيًا: معرفة عادات العرب: ذلك لأن الوقوف على عادات العرب وأحوالها في الجاهلية يعين على فهم كثير من الآيات التي جاءت لإصلاح أحوال الجاهلية وعلاجها، وجابر ( - رضي الله عنه - ) واحد من أفراد ذلك المجتمع الذين نزل فيهم القرآن، فلا شك أن هذا مما يعينه على فهم هذا النوع من الآيات.
ومن الأمثلة على ذلك أنه ( - رضي الله عنه - ) لما سئل عن الطواغيت التي يتحاكمون إليها قال:"هم كهان تنزل عليهم شياطين" [1] .
ثالثًا: معرفة أحوال اليهود والنصارى في جزيرة العرب وقت نزول القرآن: لأن معرفة ذلك تعين على فهم كثير من الآيات التي نزلت فيهم، وبخاصة ما نزل في شأن اليهود والرد عليهم وفضح مواقفهم.
وجابر ( - رضي الله عنه - ) ممن عاصر القوم عن قرب وأدرك حيلهم، ووقف على كثير من مواقفهم مع رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) .
(1) تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم (3 / 976 ) (رقم الأثر: 5452) ، وعلقه البخاري بصيغة الجزم مما يدل على صحته. وسيأتي إن شاء الله. انظر الأثر رقم (18) في القسم الثاني من البحث.
ومن الأمثلة أيضا: الأثر رقم (19 ) ، والأثر رقم (35 ) .